✍🏽 عبدالمنان أبكر عمر السودان في قلب التوازنات الأمريكية – السعودية… من حسم الميدان إلى صناعة السلام
يدخل السودان مرحلة جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى أفق إعادة بناء الدولة مدفوعًا بتقدم ميداني متسارع للقوات المسلحة السودانية والقوات المسانده لها وتراجع حاد في مشروع مليشيا الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا. هذا التحول الداخلي تزامن مع إعادة تشكّل البيئة الإقليمية والدولية وعلى رأسها التقاطع المتنامي بين الرؤية السعودية والمقاربة الأمريكية تجاه أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وهو ما منح السودان موقعًا مركزيًا في معادلات الاستقرار الإقليمي.
التقدم العسكري الذي حققته القوات المسلحة والقوات المسانده لها لم يعد مجرد إنجاز ميداني بل تحوّل إلى عنصر سياسي ودبلوماسي فاعل. فقد أفضى هذا التقدم إلى تفكيك البنية القيادية لمليشيا الدعم السريع وكشف عجزها الكامل عن إدارة أي نموذج حكم أو توفير حد أدنى من الاستقرار في المناطق التي سيطرت عليها. كما أسقط عمليًا محاولات شرعنة ما سُمّي بـ(حكومة التأسيس) التي لم تحظَ بأي اعتراف إقليمي أو دولي ولم تستطع تشكيل مؤسسات أو أجهزة سيادية ما أكد أنها كيان سياسي مصطنع بلا جذور ولا مستقبل.
في هذا السياق جاء قرار حكومة الأمل بقيادة الدكتور كامل إدريس بالعودة إلى العاصمة القومية الخرطوم ليحمل أبعادًا تتجاوز الرمزية. فالعودة إلى الخرطوم تعني استعادة مركز القرار السيادي وتأكيد استمرارية الدولة وترسيخ حقيقة أن الحكومة القائمة هي الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على تمثيل السودان داخليًا وخارجيًا. كما أن هذه الخطوة عززت الثقة الدولية في مسار الدولة السودانية ووفرت أرضية سياسية مناسبة للانخراط في حوار دولي أكثر توازنًا.
على المستوى الإقليمي تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها الفاعل الأكثر إدراكًا لخطورة انهيار السودان على الأمن الإقليمي. فالسودان من منظور الرياض ليس مجرد دولة مجاورة بل يمثل عمقًا استراتيجيًا لأمن البحر الأحمر وجسرًا حيويًا يربط بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي. ومن هذا المنطلق تنظر السعودية إلى استقرار السودان كجزء أصيل من أمنها القومي وليس كملف إنساني أو سياسي عابر.
هذا الإدراك السعودي يتقاطع بوضوح مع التحول الأمريكي في مقاربة الملف السوداني. فواشنطن، التي ظلت لفترة تتعامل مع الأزمة من زاوية ضيقة تركز على (توازن الأطراف) بدأت تعيد تقييم المشهد في ضوء الوقائع الجديدة على الأرض وعلى ضوء المخاطر المتزايدة لانتشار الفوضى والمليشيات العابرة للحدود في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وهنا برز الدور السعودي كقناة موثوقة لإعادة ضبط الإيقاع الأمريكي تجاه السودان بعيدًا عن الرهانات غير الواقعية على مليشيات لا تمتلك مشروع دولة.
في هذا الإطار يكتسب التواصل المباشر بين الحكومة السودانية والولايات المتحدة أهمية استراتيجية خاصة إذ لم يعد الهدف إدارة وقف إطلاق نار هش بل بناء مسار سياسي يقود إلى سلام مستدام يحفظ وحدة الدولة السودانية ويمنع إعادة إنتاج العنف تحت أي مسمى. وتدرك واشنطن بدفع سعودي واضح أن أي تسوية تتجاوز الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
كما أن التراجع الملحوظ في النفوذ الإماراتي داخل السودان والقرن الإفريقي شكّل عاملًا مساعدًا لهذا التحول. فانسحاب أو انكفاء أبوظبي عن دعم الفاعلين غير الدولتيين سواء في السودان أو في الصومال التي ألغت اتفاقيات الدفاع المشترك معها كشف محدودية هذا النهج وعزز القناعة الإقليمية والدولية بضرورة دعم الدول الوطنية ومؤسساتها الشرعية بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار طويل الأمد.
ضمن هذا المشهد تتحول القوات المسلحة السودانية من مجرد طرف عسكري إلى ركيزة أساسية في معادلة الانتقال السياسي وفق رؤية تقوم على حسم الفوضى أولًا ثم تهيئة البيئة لانتقال مدني تدريجي ومسؤول. وهذه الرؤية تحظى بقبول متزايد لدى السعودية والولايات المتحدة اللتين باتتا تنظران إلى الجيش السوداني بوصفه مؤسسة وطنية لا غنى عنها في منع تفكك الدولة وليس عائقًا أمام التحول المدني كما كان يُروّج سابقًا.
ختامًا يمكن القول إن السودان يقف اليوم عند تقاطع تاريخي بين نصر الدولة على مشروع المليشيا وبداية تشكّل شراكة إقليمية–دولية جديدة قوامها التفاهم الأمريكي–السعودي حول أولوية الاستقرار واحترام سيادة الدول ودعم الانتقال المدني من داخل مؤسسات الدولة لا من خارجها. ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة النخبة السودانية على تحويل هذا الدعم إلى مشروع وطني جامع، يعيد للسودان دوره الطبيعي كركيزة استقرار في البحر الأحمر والقرن الإفريقي لا كساحة صراع إقليمي مفتوح.
