من أعلى المنصة
ياسر الفادني
حرب بلا بنادق !
الملاحظ هذه الأيام، لمن يتابع الأحداث بعينٍ فاحصة وعقلٍ لا يُخدع بالضجيج، أن المليشيا ومن يدور في فلكها انتقلت إلى طورٍ غير المواجهة المباشرة ، طور لا تُسمع فيه الطلقات، لكن تُصنع فيه الهزائم إن غاب الوعي ، لم تعد الحرب فقط بنادق تُشهر، بل صارت إشاعة تُطلق، وتحليلًا مُسممًا يُبث، وصورةً تُفبرك لتُحدث فرقعةً تُلهي الناس عن حقائق أكبر تُبنى على الأرض
أول هذه المحاولات، وهي قديمة متجددة، السعي الحثيث لزرع الفتنة بين القوى المساندة للقوات المسلحة، معركة تفتيت الصف، لأنهم يدركون أن تماسك الجبهة الداخلية هو السور الحقيقي الذي لا يُكسر، كلما فشلوا في الميدان، عادوا ليطرقوا أبواب الخلاف، ينفخون في الرماد لعلّه يشتعل، لكنهم في كل مرة يصطدمون بوعيٍ يتشكل وخبرةٍ تراكمت من دروس قاسية
وثانيها، خلايا تنشط في الظل، داخل مفاصل الخدمة المدنية، حيث ما تزال بعض الأذرع تتخفى، لا تظهر عداءها صراحة، لكنها تدس السم في التفاصيل، هنا تُعطّل معاملة، وهناك يُشوّه قرار، وفي مكانٍ آخر تُزرع بذور الشك، إنها حرب بطيئة، لكنها لا تقل خطورة عن صوت المدافع، لأنها تستهدف مؤسسات الدولة من الداخل
أما ثالث هذه الأساليب، فهو اللعب على القرارات السيادية، خاصة تلك المتعلقة بقيادات القوات المسلحة، قرارات في طبيعتها إدارية وتنظيمية، تُؤخذ كأي مؤسسة حية تُعيد ترتيب صفوفها، لكن يتم تضخيمها وتأويلها بطريقةٍ مريبة، وكأن الهدف ليس الفهم، بل التشكيك، يُضاف إلى ذلك النيل من بعض الوزراء والولاة بقدحٍ سالب، لا يستند إلى تقييم موضوعي، بل إلى رغبةٍ في هز الثقة وإرباك المشهد
كل هذه الأدوات، على اختلاف أشكالها، تلتقي عند غاية واحدة: خلخلة بنية الدولة، وإجهاض ما تحقق من إنجازات بعد الحرب، إنجازات لم تكن في حسبان من ظنوا أن البلاد قد سقطت بالكامل، وأن عودة الحياة فيها ضربٌ من المستحيل، لكن ما لم يدركوه أن الدول لا تُبنى فقط في أوقات السلم، بل تُعاد صياغتها في قلب الأزمات
والقصد الأعمق من كل ذلك، هو إضعاف القوات المسلحة، ليس بالمواجهة المباشرة، بل بصناعة فراغات بينها وبين القوى التي تساندها، خلق مسافات من الشك، وبث روايات تُغذي التوجس، حتى يتحول التماسك إلى تباعد، والتنسيق إلى ارتباك. إنها معركة تستهدف الروح قبل الجسد، والثقة قبل القوة
اني من منصتي أنظر …حيث أري…أن هذه البلاد التي عبرت نارًا حقيقية، ليست ساذجة لتسقط في فخاخ الصوت الخافت، الوعي اليوم هو خط دفاع أول وما يُدار في الخفاء يمكن إفشاله في العلن، حين تُقرأ المشاهد بعمق، لا بسطحية، وحين يُدرك الناس أن أخطر الحروب هي تلك التي لا تُرى، لكنها تُصنع لتُربك كل ما هو ثابت.














Leave a Reply