من أعلى المنصة
ياسر الفادني
الشروع في الإنتحار يصير عرضًا… من يوقف هذا العبث؟
ما هذا السخف الذي يطفو على سطح واقعٍ مثقل بالجراح؟ أيُّ زمنٍ هذا الذي يتحول فيه الخطر إلى عرضٍ ترفيهي، والموت إلى وسيلةٍ لحصد الإعجابات؟ كلما فتحت نافذةً على هذا العالم الرقمي، وجدت شابًا يعتلي حافة برج، أو يتدلى من مكانٍ شاهق، لا ليحتج على قضية، ولا ليصرخ في وجه ظلم، بل ليبتز الانتباه، ويغازل فراغًا اسمه (الترند) ! ليقول: لن أنزل حتى تأتوا بسمَر، أو سميرة، أو عبير… وكأن الكرامة تُقايض، وكأن الرجولة تُختزل في مشهدٍ عبثي يثير الضحك أكثر مما يستحق الغضب
المفارقة المؤلمة أن هؤلاء لا يعيشون في فراغٍ آمن، بل في وطنٍ يشتعل، بلادهم تخوض حربًا حقيقية، لا مجاز فيها ولا تمثيل، هناك من يحمل السلاح دفاعًا، ومن يفقد حياته بصمت، ومن ينام على أمل النجاة لا على وسادة الرفاه، ومع ذلك، يختار بعض الشباب أن يهربوا من هذا الواقع، لا إلى عملٍ نافع، ولا إلى موقفٍ مسؤول، بل إلى مسرحٍ رخيص، بطلُه الوهم، وجمهوره لحظة عابرة من التصفيق الإلكتروني
هؤلاء نسوا سريعًا كيف نزحوا بالأمس، كيف ضاقت بهم الطرق، كيف حملوا خوفهم قبل حقائبهم، كيف رأوا بيوتهم تُنهب، وأيامهم الدراسية تتبخر، نسوا أن الألم الذي عاشوه لم يكن مشهدًا تمثيليًا، بل حقيقة قاسية كان يفترض أن تصنع منهم وعيًا أصلب، لا هشاشةً تبحث عن اعترافٍ افتراضي، بدل أن يكونوا جزءًا من التعافي، صاروا جزءًا من التهريج. بدل أن يصنعوا معنى، يطاردون صدى
والأخطر من الفعل نفسه، هو التطبيع معه، أن يتحول هذا السلوك إلى مادةٍ للضحك، إلى محتوى يُشارك ويُعاد نشره، إلى تعليقاتٍ تشجع بدل أن تردع، هنا لا نكون أمام انحراف فردي، بل أمام خللٍ جماعي في ميزان القيم ، حين يُكافأ العبث بالاهتمام، ويُهمَّش الجِدّ، فاعلم أن البوصلة قد اختلت
ما يحدث هو اقتراب خطير من جريمة في حق النفس ، التلاعب بحافة الخطر ليس بطولة، والتهديد بالسقوط ليس شجاعة، هذا سلوك يُسوِّق لفكرة أن الحياة قابلة للمساومة، وأن لفت الانتباه يبرر تعريض الروح للهلاك، أيُّ رسالةٍ هذه التي نمررها لجيلٍ يتشكل وعيه الآن؟ أن الطريق إلى الظهور يمر من فوق الهاوية؟
البلاد لا تحتاج إلى مزيدٍ من الضجيج الفارغ، بل إلى وعيٍ يوازي حجم التحدي تحتاج إلى شبابٍ يدرك أن اللحظة أكبر من نزوة، وأن المسؤولية ليست شعارًا بل موقف، نعم ليس كل الناس جنودًا على الجبهات، لكن الجميع معنيّون بالجدية، بالانضباط، باحترام الحياة، برفض تحويل الألم إلى مادةٍ للتهكم
إني من منصتي أنظر…حيث أقول: أوقفوا هذا السخف، ليس لأنه يسيء للصورة فحسب، بل لأنه يفرغ المعنى، ويُهين التجربة، ويُعلِّم الآخرين أن الطريق إلى الاهتمام مفروشٌ بالتهور، أوقفوه لأننا في زمنٍ لا يحتمل مزيدًا من العبث، ولأن الأوطان التي تنزف لا تُداوى بالضحك على حافة السقوط، بل بالوقوف بثباتٍ بعيدًا عنها.














Leave a Reply