4 نوفمبر

اطلاق الانفاس الاخيرة في صورة مسيرات

شاهد عيان نوفمبر 4, 2026
شارك الخبر:
✍🏾د. محمد عبد القادر سبيل
الجديد هو أن القحتيين تحولوا الى بلابسة أخيراً، فكلما أصابت الشعب السوداني مصيبة الموت بمسيرة تفقدهم الكهرباء والماء والأمن، فرحوا بها واستبشروا خيراً، وانصرفوا عن الادانة نحو اللوم على عدم الرضوخ للتفاوض المفضي _ بالضرورة _ الى عودتهم للحكم بلا انتخابات وإلا ف( بل بل) مسيرة بعد مسيرة.
هذا هو واقع الحال الآن. ودعوى بعضهم أن الجيش أيضا يستهدف الاسواق المدنية فهذه بتلك. طبعا هذا الموقف وحده يسوغ الحكم عليهم بأنهم ممالئون للمليشيا ومدافعون عنها حين يبررون خطاياها بأخطاء الجيش.
سيقول قائل ما الذي يجعل ما تقترفه المليشيا خطيئة بينما ما يفعل الجيش في الاسواق مجرد خطأ؟
السبب هو أن الأسواق تحولت عمليا الى ملاجئ وملتقيات تجتمع فيها قوات المليشيا بينما الاعيان المدنية والمرافق العامة وخاصة محولات الكهرباء ومحطات ضخ الوقود ليست نقاط تجمع للجيش فكيف نقارن فنضاهي بين الحالتين؟ ما لكم كيف تحكمون.
المهم أن المصطفين خلف المليشيا حتى تفاوض باسمهم كحلفاء لترجعهم وتملكنهم من مقاليد السلطة اصبحوا بلابسة بامتياز ومؤيدين للحرب حتى إرغام الجيش على الرضوخ. فلا يؤاخذن أحد منكم من ينادي بدعوة: (بل بس) ضد المليشيا، فأنتم الآن في خانة ( بل بس) الأسوأ منها، لأنها ضد الشعب كله،إذ المستهدف بالمسيرات الآن ليس معسكرات الجيش وإنما المرافق المدنية والمدنيين المتواجدين فيها، بغية أن يدفع الثمن هذا الشعب الذي تبغضونه.
وبغض النظر عن هذا. فإن سؤالا ملحاً يبرز الآن بقوة: هل انتهي دور حميدتي وآل بيته وبرز دور أبي أحمد بديلاً يحارب الجيش والدولة السودانية علناً من الآن فصاعدا؟ في عالم لا يردعه ولا يمنعه بل يقول للجيش ببرود: هدنة (أخير ليك) وإلا… ومن ثم تفرض الأجندته ذاتها على طاولة التفاوض.
المؤشرات تدل على ذلك.
كيف؟
حينما توشك النار المضرمة على الخمود فإنها تبدأ في أكل بعضها، بعد أن عدمت ما تأكله. والدعم السريع الذي بات محاصرا في رقعة من دارفور اخذ يأكل لحم حواضنه، حيث كشفت الانباء أن قراراً صدر باسم قائد المليشيا حميدتي بحل جميع الادارات المدنية في مناطق هيمنة قواته وحواضنه الاساسية جنوب دارفور، بسبب شكاوى المدنيين المتعالية من تعرضهم المستمر للنهب المسلح في الآونة الأخيرة من جانب قوات من المليشيا المتمردة. وكان المفترض ان يعقب القرار خطوة بديلة نحو حل المشكلة وتوفير الحماية للمدنيبن بصورة اكثر فاعلية، إلا ان شيئاً من ذلك لم يحدث، بل تركهم لمصيرهم وليحموا انفسهم بأنفسهم، مما يعني تنصل القيادة المترنحة من مسؤوليتها واعلانها العجز والانشغال بمراسم الوداع وبالتالي سيمهد ذلك لاندلاع حرب اهلية داخل الحواضن الاجتماعية قريبا، والفطن هو من ينسلخ فوراً ويعود الى حضن الوطن هرباً من حضن القبيلة.
إن الانسلاخات المتلاحقة لقادة ومجموعات الدعم السريع انما هي نعي معلن لمشروع مات سريريا والمنسلخون باتوا بحثون عن حياة جديدة.
في محور النيل الازرق الذي اشعل لتخفيف الضغط عن حصار دارفور ولرفع المعنويات بانتصارات مصطنعة اثبتت المعارك هناك ان القوات المهاجمة بمئات العربات القتالية بينها مدرعات تتألف من جنود اثيوبيين وجنوبيين مرتزقة وليس فيها من الجنجويد سوى حفنة قليلين. وقد انطلقت من معسكر في اصوصا التابعة لدولة اثيوبيا وهي القاعدة ذاتها التي تنطلق منها المسيرات الاستراتيجية تجاه اهداف متفرقة في العمق السوداني. ونستطيع القول إن الهزيمة حتماً ستلاحقهم بعد حين، لأنها قوات جديدة في عقيدتها وتجربتها الميدانية ثم إن (المحرش ما بكاتل).
ولكن ماذا يعني استبدال حميدتي بأبي أحمد؟
يعني أن مليشيا الدعم السريع فقدت جنودها تماماً، ويبدو انها ابيدت خلال السنوات الثلاث الماضية. كما يتني انها خسرت في الوقت ذاته الحواضن التقليدية التي كانت تمدها بالفزع حيث جفت تلك الحواضن بل وبدأت المليشيا في اكل حواضنها ونهب ممتلكاتها بجنون تحت وطأة الحصار المحكم المضروب عليهم بدارفور وليس امامهم الآن سوى التيه.
من هنا يصبح تفسير تكرار المسيرات التي تستهدف مواقع الخدمات المدنية واضحا، فليس الأمر سوى تعبير عن لفظ الانفاس الاخيرة واستبدال قائد بقائد.
قد يستغرق خروج روح المليشيا بعض الوقت وهذا يتوقف على مدى صمود عمليات الانعاش المقدمة لهم من الممولين من باب المعذرة وفك اللوم. وفي الاثناء سيستمر اطلاق الانفاس الاخيرة في صورة وابل من المسيرات الانتحارية ربما تتحول مع ازياد الخناق الى عشوائية يائسة من حياتها ومنتقمة من حياة غيرها أياً يكن.
والله خير حافظاً .
ملحوظة:
أحسب ان مفاوضتهم الآن على لياقة التشييع والدفن أحرى من ترك اعقابهم فلول حرب قد تنبعث روحهم من جديد في اي مكان وزمان. ولكن ذلك لن يجدي إلا إذا كان ضمن اتفاق يشمل المليشيات الأخرى جميعا، فيتم تفكيكها معاً وبالتزامن. واما عدوان ابي احمد فسيستمر الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا لذلك فيجب التفرغ له بعد تأمين الداخل.

مواضيع ذات صلة