المتمرّد حميدتي..في انتظار المقصلة..
شاهد عيان
أكتوبر 20, 2026
المتمرّد حميدتي..في انتظار المقصلة..
الحكم شمل القوني وعبد الرحيم..مصادرة الأموال والعقارات..
توصية بسحب الجنسية والجوازات من المدانين..ملاحقة..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة حكماً بالإعدام شنقاً حتى الموت تعزيراً بحق 14 مداناً، يتقدمهم قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وأخيه عبد الرحيم دقلو، إلى جانب شقيقه القوني دقلو وآخرين، مع فرض غرامات مالية ومصادرة الأموال والعقارات والمنقولات، والتوصية بسحب الجنسية السودانية وجوازات السفر، ويأتي الحكم في سياق حكم سابق صدر في يوليو الماضي بإعدام حميدتي و15 آخرين في قضية أحداث الجنينة ومقتل والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، بعد إدانتهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
المساءلة الجنائية:
ويرى خبراء قانونيون أن الحكم الجديد يمثل محطة أخرى في مسار التقاضي المتعلق بقيادات مليشيا الدعم السريع، إذ استندت المحكمة، وفق منطوق الحكم، إلى مواد من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م وتعديلاته، إلى جانب مواد من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001م، ووفقاً للخبراء القانونيين فإن أهمية الحكم تكمن في أنه لا يتناول العقوبة بمعزل عن المسؤولية الجنائية التي انتهت المحكمة إلى ثبوتها في مواجهة المدانين في القضية محل النظر، ومع ذلك، فإن تعدد الأحكام لا يعني بالضرورة وحدة الوقائع أو الأدلة أو الأساس القانوني لكل دعوى، فلكل قضية ملفها وإجراءاتها وما يترتب عليها من آثار قانونية، وكان الحكم السابق، الصادر في يوليو الماضي، قد تناول قضية الهجوم على الجنينة ومقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، وما ارتبط بها من اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وبذلك، يضع الحكمان أمام الرأي العام مسارين قضائيين ينبغي قراءة كل منهما في ضوء وقائعه ومنطوقه وإجراءاته الخاصة.
الوجه الاقتصادي للحكم:
ولعل اللافت أن المحكمة انتقلت من العقوبة الجنائية إلى الإجراءات المالية، إذ قضت بتغريم كل واحد من المدانين مائة مليون جنيه، مع مصادرة الأموال النقدية والمنقولات والعقارات لصالح حكومة السودان، ومخاطبة بنك السودان للحجز على الأرصدة والحسابات المصرفية، والمسجل العام للأراضي لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بالعقارات تمهيداً لمصادرتها، كما ألزم الحكم المدانين، بالتضامن والانفراد، برد قيمة التلف والخسائر إلى الصندوق القومي للإمدادات الطبية، وهو ما يضيف بُعداً متعلقاً بالتعويض عن الضرر إلى جانب العقوبة الجنائية.
سحب الجنسية:
ولعل أكثر جوانب الحكم إثارة للنقاش هو توصية المحكمة لرئيس مجلس السيادة بسحب الجنسية السودانية من المدانين الأربعة عشر، استناداً إلى المادة العاشرة من قانون الجنسية السودانية لسنة 1994م، تعديل 2011م، إلى جانب توصيتها لوزير الداخلية بسحب جوازات سفرهم بموجب قانون جوازات السفر والهجرة، ويجمع مراقبون على أن هذه التوصية، تتجاوز من حيث آثارها المحتملة، نطاق العقوبة الجنائية والمالية إلى مسألة الوضع القانوني للمحكوم عليهم وصلتهم بالجنسية السودانية، ومن ثم، فإن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في دلالتها السيادية، بل أيضاً في اختبار مدى الالتزام بالإجراءات القانونية التي تحول دون الخلط بين العقوبة الجنائية والتدابير المتعلقة بالجنسية.
ملاحقة المتهمين:
ويقول لسان المنطق أن أثر الحكم، يتخطى حدود المدانين الأربعة عشر، ليفتح نافذة جديدة أمام ملاحقة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، ويبعث برسالة مفادها أن تعقيدات المشهدين الأمني والسياسي لا ينبغي أن تشكلا حصانة تحول دون المساءلة، ومع ذلك تظل ملاحقة المحكوم عليهم رهينة بإمكانية توقيفهم، واستكمال الإجراءات القضائية، وتوافر تعاون دولي فاعل في تعقب المطلوبين وتنفيذ أوامر القبض وفق الأطر القانونية المعمول بها، الزمر الذي يتطلب تنسيقاً عالياً بين السلطات السودانية والجهات الدولية المعنية، بما يسهم في تضييق مساحات الإفلات من العقاب، ويعزّز فرص إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، كما أن تعدد المسارات القضائية، بما فيها التحقيقات المتعلقة بانتهاكات دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية، قد يعزّز الاهتمام الدولي بملف المساءلة، وإن كان تأثير الحكم على إجراءات المحكمة يظل مرتبطاً باستقلالية تحقيقاتها وأدلتها واختصاصها القانوني.
تداعيات سياسية:
ويجمع مراقبون على أن صدور مثل هذه الأحكام ستضيف ضغوطاً على قيادة ميليشيا الدعم السريع، ما قد يضعف الدعم السياسي والدولي الذي تحظى به لدى بعض الجهات، في ظل الاتهامات المتصاعدة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، كما قد يرفع الكلفة السياسية للتعامل مع هذه «القيادات الميليشية»، ويضع الدول والجهات التي تُتهم بتقديم الدعم لها أمام تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة علاقاتها بها، ومدى التزامها بمقتضيات المساءلة واحترام القانون الدولي، وبالتالي فإن النقاش الدولي سيظل مفتوحاً ومُحتدماً بشأن الانتهاكات في السودان، الأمر الذي يعزّز المطالبات بمحاسبة المسؤولين عنها.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن الرهان لا يقف عند صدور الأحكام، بل يمتد إلى تنفيذها، وتحويلها إلى مسار عملي للمساءلة وجبر الضرر، بما يحد من الإفلات من العقاب ويؤكد أن المواقع القيادية أو المساندة السياسية لا ينبغي أن تحول دون تطبيق القانون، فالمواطن الذي تضرّر من الحرب، والمريض الذي يعتمد على توفر الدواء، والمؤسسات التي فقدت أصولها أو تعرّضت منشآتها للتلف، جميعهم معنيون بأن تتحول إجراءات العدالة إلى نتائج ملموسة، لا أن تبقى الأحكام حبيسة الأوراق.
