14 أكتوبر

د. حيدر البدري: الاصطياد في الماء العكر.

شاهد عيان أكتوبر 14, 2026
شارك الخبر:

دِ حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد..
..
الاصطياد في الماء العكر.
..
ما إن تلوح حادثة مؤلمة في حياة السودانيين، حتى يسارع بعض أهل القحط والتقزم إلى نصب منابرهم، لا لمواساة الضحايا أو البحث عن الحقيقة، وإنما لتحويل المأساة إلى ذخيرة سياسية تستهدف الجيش ومعركة الكرامة. كأنما لا تكفي البلاد جراحها، حتى يضيف إليها هؤلاء ضجيج المزايدات، ويستثمروا في آلام الناس لحسابات لا تخفى على أحد.
الا يفتر هؤلاء من هذه الوضاعة؟.
حادثة سقوط سودانيين في الحدود المصرية، بما تحمله من وجع إنساني يستوجب التحقيق وكشف الملابسات ومحاسبة المسؤولين، تحولت عند بعضهم إلى محاكمة سياسية جاهزة للبرهان والجيش وحكومة السودان، قبل اكتمال المعلومات والتحقق من الوقائع. وهنا تكمن الكارثة أن تصبح دماء المواطنين مادة للمكايدة، وأن تسبق الاتهامات الحقائق، وأن يصدر الحكم قبل سماع الشهود ومعرفة المسؤوليات.
أين كانت هذه الحماسة حين ارتكبت مليشيا الدعم السريع جرائمها بحق السودانيين؟ وأين هذا الصراخ حين طالت الانتهاكات المدنيين، ودُمرت البيوت، ونُهبت الممتلكات، وشُردت الأسر، وانتهكت الحرمات؟ وأين المساءلة الجادة عن الدعم الخارجي الذي تتحدث عنه تقارير دولية، والاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات بشأن مساندة المليشيا، لماذا تتسع الحناجر عند كل واقعة يمكن توظيفها ضد الجيش، ثم تضيق المساحات حين يكون الحديث عن جرائم الدعم السريع ومصادر إمدادها؟
إن المعارضة السياسية حق مشروع، ومحاسبة الحكومة واجب لا يسقط في زمن الحرب، لكن الفارق شاسع بين معارضة الحكومة ومعاداة الوطن، وبين النقد المسؤول ومحاولة إرباك الجبهة الداخلية في لحظة يواجه فيها السودان تهديداً وجودياً.
لقد استُهلكت فزاعة الأسلحة الكيميائية في حملات سياسية وإعلامية، ثم ظهرت معارك أخرى، ما إن يفشل هؤلاء في إثارة حادثة، حتى يشغلون الناس بأخرى. في صياحٍ مخجل.
فهل يعجز هؤلاء عن الجمع بين المطالبة بكشف حقيقة الحوادث الحدودية، وإدانة جرائم المليشيا، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه؟ أم أن الحقيقة لا تهم إلا حين تخدم الخصومة السياسية؟
إن الوطن أكبر من الأحزاب، والدم السوداني ليس ورقة في بازار المكايدات. ومن أراد أن يخدم السودانيين حقاً، فليطالب بالحقيقة كاملة، لا بما ينتقيه منها؛ وليواجه الجريمة حيثما وقعت، لا حيثما تخدم خصومه. فالإصطياد في الماء العكر قد يحقق مكسباً عابراً، لكنه لا يبني وطناً، ولا يداوي جريحاً، ولا يعيد نازحاً إلى داره.
فلا يشغلنكم اهل القحط والتقزم عن معركتكم الحقيقية.
قوموا الى سلاحكم يرحمكم الله.
نقطة سطر جديد.

مواضيع ذات صلة