إسماعيل جبريل تيسو | “واشنطن”..المعايير المزدوجة..!!
شاهد عيان
سبتمبر 30, 2026
“واشنطن”..المعايير المزدوجة..!!
حجب تأشيرة الرئيس واستقبال حمدوك ..انحياز فاضح..
ارتباط بولس بالإمارات يطعن في وساطته.. أجندات..
السفير نادر: واشنطن ليست محايدة وتحرّكات «صمود» بلا جدوى..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو:
أثار استقبال وفد تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وعقده لقاءات مع مسؤولين أمريكان في قلب المؤسسات الأمريكية، استياءً وانتقادات واسعة في أوساط سودانية بالداخل والخارج، خاصة وأن الخطوة، تأتي متزامنةً مع رفض واشنطن منح رئيس مجلس السيادة فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول الأراضي الأمريكية لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتبرت أوساط سودانية، الموقفين مؤشراً على تعامل أمريكي بمعايير مختلفة مع أطراف المشهد السوداني.
قلب واشنطن:
وكان تحالف «صمود» بقيادة عبد الله حمدوك قد عقد اجتماعاً رفيع المستوى مع مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية «فرانك غارسيا»، والمندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة «مايك والتز»، وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية «مسعد بولس»، ويرى مراقبون أن دلالة هذا اللقاء لا تكمن في مضمونه فقط، وإنما في مستوى المسؤولين الأمريكيين المشاركين فيه ومكان انعقاده، فاستضافة وفد سياسي سوداني داخل مؤسسة القرار الأمريكي تطرح بطبيعتها تعني أن واشنطن تضع القوى المدنية في التصور الأمريكي للمرحلة المقبلة.
حجب التأشيرة:
في الضفة الأخرى من المشهد، كان رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة خارج قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدما حجبت واشنطن عنه تأشيرة الدخول إلى أراضيها، بعد ما رفض المساومة الرخيصة بالتوقيع على مقترح الهدنة الأمريكية الممتدة 90 يوماً، وزاد «مسعد بولس» الطين بلة بإعلانه أن عدم وجود البرهان في نيويورك كان رسالة سياسية، في مفارقة أثارت حفيظة وغضب السودانيين، إذ كيف تستضيف واشنطن قيادة تحالف سياسي داعم للمليشيا في مؤسساتها، بينما تمنع رئيس مجلس السيادة الذي دعته الأمم المتحدة، من الوصول إلى اجتماعات الجمعية العامة التي تستضيفها الأراضي الأمريكية؟.
السلام الحقيقي:
والواقع أن معطيات السياسة الأمريكية المطروحة تجاه الأزمة السودانية وبشكلها الراهن تنزع ثقة الحكومة السودانية في الوسيط، إذ كيف تستطيع واشنطن إقناع جميع الأطراف بأنها وسيط قادر على رعاية تسوية عادلة، إذا كانت قراراتها العملية تمنح مساحة سياسية أكبر لطرف وتحجبها عن طرف آخر؟ وهل تستطيع الإدارة الأمريكية أن تمارس الضغوط بطريقة عادلة ومتساوية على طرفي الحرب بحيث تحافظ على صورة الوسيط المحايد؟، إن السلام الحقيقي كما يرى خبراء استراتيجيون لا يحتاج إلى الضغوط وحدها، وإنما يحتاج إلى الثقة.
أزمة ثقة:
ولا يبدو أن الخلاف بين الخرطوم وواشنطن يقف عند حدود تأشيرة البرهان أو مقترح الهدنة، فالحكومة السودانية رفضت تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية التي شككت في شرعية المؤسسات القائمة، وأكدت أن أي عملية سلام مستدامة يجب أن تقوم على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وتزداد حساسية دور «مسعد بولس» في الخرطوم بسبب الموقف السوداني من الإمارات التي تتهمها الحكومة السودانية بدعم مليشيا الدعم السريع، كما أن الإمارات جزء من الرباعية التي تعمل واشنطن معها بشأن السودان، وهو ما يجعل أي نقاش حول الوساطة الأمريكية متشابكاً بالضرورة مع السؤال الإماراتي المرتبط «بمسعد بولس» الذي اتهمه السيناتور الأمريكي « كريس ميرفي» وعائلته بتلقي أموال ومصالح مالية من دولة الإمارات بلغت 31 مليون دولار، ومن هنا فإن أزمة الثقة بين الخرطوم وأبوظبي أصبحت جزءاً من المشهد الذي يتحرك فيه «بولس»، وأن أي وساطة أمريكية لن تستطيع تجاهل هذا العامل إذا أرادت إقناع الحكومة السودانية بجدوى المسار الذي تقوده.
وسيط غير محايد:
ويضع السفير نادر فتح العليم، الخبير في العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، المسألة في إطار أكثر اتساعاً، معتبراً أن واشنطن لا تلعب دور الوسيط المحايد في القضية السودانية، ويقول فتح العليم في إفادته للكرامة إن ذلك لا يتعلق بتقليل أهمية الولايات المتحدة أو دورها الدولي، وإنما يعتبر خللاً في سياسات الإدارة الأمريكية الحالية وطريقة إدارتها للملف السوداني، ويستدعي السفير نادر مفهوم الوساطة في علم التفاوض، حيث يوصف الوسيط بأنه «عميل للحقيقة» (Agent of Reality)، أي الطرف الذي يساعد المتفاوضين على رؤية الواقع كما هو، وتحديد المصالح والقيود والنتائج الممكنة، وليس طرفاً يعيد تشكيل الحقيقة لمصلحة أحد المتفاوضين، مبيناً أن واشنطن تفتقد في تعاطيها الحالي مع الأزمة السودانية، الحياد والرؤية الواضحة لكيفية معالجة جذور المشكلة، منتقداً تداخل المصالح الأمريكية والإقليمية في صناعة الموقف من السودان، وينتقد كذلك جولات النشطاء والقوى السياسية السودانية في العواصم الأجنبية بحثاً عن اختراق سياسي، معتبراً أن السلام ليس مجرد لقاءات أو بيانات، وإنما عملية متكاملة تحتاج إلى الثقة والحياد والقدرة على مخاطبة جذور النزاع.
إنقاذ الميليشيا:
ويذهب السفير نادر فتح العليم، الخبير في العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، إلى أن تحركات «صمود» الخارجية لا تمثل اختراقاً حقيقياً لمسار السلام، منوهاً إلى أن بعض هذه التحركات يصب سياسياً في اتجاه إنقاذ ميليشيا الدعم السريع من الضغوط التي يتعرض لها في ميادين القتال، ويصف السفير نادر تلك التحركات بالرحلات المكوكية بين العواصم الأجنبية، معتبراً أن السلام الحقيقي لا يصنع في صالات الفنادق ولا في مكاتب العواصم، وإنما يحتاج إلى توافق سوداني وضمانات عملية تعالج جذور الحرب وتداعياتها، مبيناً أن أي جهد خارجي تدعمه أموال أو أجندات إقليمية، إذا لم يكن هدفه المعلن والفعلي هو مصلحة الشعب السوداني، لن يكون قادراً على إنتاج سلام مستدام، فلا يستقيم الظل والعود أعوج.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإذا كانت واشنطن تريد أن تكون وسيطاً مؤثراً، فإن عليها إقناع السودانيين قبل غيرهم بأنها تتعامل مع الأزمة بمعايير واضحة، فالمواطن السوداني الذي دفع ثمن الحرب دماً ونزوحاً وفقداناً لا يعنيه كثيراً من جلس على طاولة واشنطن، بقدر ما يعنيه أن تنتهي الحرب، وأن تُصان الدولة، وأن يُحاسب مرتكبو الانتهاكات، وأن يعود جميع السودانيين إلى بلادهم آمنين.
