من 11 سبتمبر إلى 9 أكتوبر… الشهر الذي كسبه السودان
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
من 11 سبتمبر إلى 9 أكتوبر… الشهر الذي كسبه السودان
خرج السودان من جلسة مجلس الأمن في الحادي عشر من سبتمبر وقد تجنب، في هذه الجولة، واحداً من أكثر السيناريوهات حساسية منذ اندلاع الحرب: توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل أراضي البلاد. غير أن ما جرى لا يمثل نهاية للمشروع بقدر ما يمثل تأجيل المواجهة حوله؛ فالقرار الذي اعتمده المجلس بالإجماع أبقى النظام القائم لمدة شهر، ورحّل النقاش إلى التاسع من أكتوبر.
ما كسبه السودان في مجلس الأمن ليس إسقاط مشروع توسيع الحظر، وإنما كسب شهر انتقلت فيه المعركة من التصويت على القرار إلى الصراع على صياغته. ولذلك ستكون قيمة ما تحقق في 11 سبتمبر مرهونة بما تفعله الخرطوم قبل 9 أكتوبر.
المشروع الأميركي كان يتجاوز التجديد التقليدي لنظام العقوبات المرتبط بالقرار 1591، ويتجه إلى توسيع النطاق الجغرافي لحظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان، وإدخال الطائرات المسيّرة وأنظمتها والتقنيات والمكونات المرتبطة بها ضمن نطاق القيود، إلى جانب تعزيز قدرات فريق الخبراء وتوسيع بعض أوجه عمله.
مرور المشروع بهذه الصورة كان سيضع السودان أمام واقع قانوني وسياسي مختلف؛ إذ يتحول الحظر المحدد جغرافياً في دارفور إلى قيد يمتد إلى الدولة كلها، في وقت تخوض فيه القوات المسلحة حرباً داخل حدودها في مواجهة قوات الدعم السريع وشبكات إمدادها وتمويلها ومساراتها العابرة للحدود. وهنا برز السؤال الذي يتجاوز قضية السلاح نفسها: كيف يمكن إخضاع الدولة والقوة المسلحة المتمردة عليها للأداة القانونية ذاتها، ثم تقديم ذلك بوصفه حياداً؟
ولم يقتصر التحفظ على هذا التوجه على روسيا والصين؛ فإلى جانب موقف موسكو وبكين، عارضت باكستان والأعضاء الأفارقة الثلاثة في مجلس الأمن نقل النظام القائم من دارفور إلى كامل السودان. كما شهدت المداولات مقترحات أفريقية لإعادة ضبط بعض العبارات التي تساوي بين «الأطراف»، بما يركز القيود على الجهات المسلحة غير الحكومية ويحمي السلطات السودانية من آثار التدابير المقترحة.
وهذه ليست معركة ألفاظ. ففي وثائق مجلس الأمن قد تصبح الكلمة توصيفاً، والتوصيف أساساً قانونياً، والأساس القانوني مدخلاً إلى عقوبات وقيود وقوائم وآليات مراقبة. لذلك فإن تثبيت الفارق بين الدولة والقوة المتمردة عليها جزء أصيل من معركة السودان الدبلوماسية والقانونية.
وحين تعذر التوافق على المشروع الموسع، اتجه المجلس إلى تمديد فني مؤقت أبقى نظام العقوبات القائم حتى التاسع من أكتوبر. وبذلك لم يتغير الوضع القانوني الأساسي في 11 سبتمبر؛ ظل حظر السلاح مرتبطاً بدارفور ولم يتحول إلى حظر شامل على السودان. وهو مكسب مهم للخرطوم، لكنه مكسب تكتيكي لم يكتمل بعد بنتيجة استراتيجية.
فالولايات المتحدة لم تتخل عن رؤيتها، والأسابيع الفاصلة مرشحة لمفاوضات تبحث عن صيغة تستطيع جمع عدد أكبر من أعضاء المجلس. وقد يعود مشروع التوسيع بصورة مخففة، أو يستمر النظام الحالي المرتبط بدارفور، أو تتبلور تسوية توسع بعض القيود على المسيّرات والمرتزقة ومسارات التمويل والإمداد والدعم الخارجي من دون تبني الحظر الشامل بصيغته الأولى. والخيار الأخير يستحق انتباهاً خاصاً، لأن بعض النتائج التي تعذر تمريرها بعنوان مباشر يمكن أن تعود موزعة داخل نصوص فنية وقانونية متعددة.
لهذا يصبح الشهر الفاصل حتى التاسع من أكتوبر جزءاً من المعركة نفسها. لقد كسب السودان وقتاً، والوقت في الدبلوماسية مورد سياسي إذا أُحسن استخدامه، وعبء إذا أُهدر.
ينبغي أن تتحرك الخرطوم منذ الآن مع الدول التي عارضت التوسيع، بحيث يتجاوز الأمر شكر روسيا والصين وباكستان والمجموعة الأفريقية إلى بناء موقف دبلوماسي يمتلك تصوراً مقابلاً لما ينبغي أن يفعله مجلس الأمن. فالمصلحة السودانية تقتضي هي الأخرى وقف السلاح المتجه إلى الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، وتجفيف تمويل الحرب، وملاحقة شبكات المرتزقة والإمداد العابر للحدود، بالتوازي مع تثبيت حق الدولة القانوني في امتلاك وسائل الدفاع عن سيادتها وأراضيها ومواطنيها.
وبهذه المقاربة تنتقل الخرطوم من موقع الدولة التي تعترض على مشروع الآخرين إلى دولة تقدم مشروعها لمعالجة أحد أهم أسباب استمرار الحرب. وهنا ينبغي إعادة القرار 1591 نفسه إلى قلب النقاش: فإذا كان تدفق السلاح يطيل أمد الحرب، فالأولوية هي مساءلة فاعلية النظام القائم، والتحقيق في الجهات التي تمول وتنقل وتوفر السلاح والوقود والمرتزقة وقطع الغيار، وفي الحدود والمطارات والموانئ ومسارات النقل التي تستخدمها شبكات الإمداد.
ويحتاج ذلك إلى نقل الملف من دائرة الاتهام السياسي إلى دائرة الإثبات القانوني، عبر وثائق وأدلة قابلة للتحقق تقدم إلى لجنة 1591 وفريق الخبراء وأعضاء مجلس الأمن. كما يحتاج إلى آلية وطنية دائمة تجمع الخارجية والعدل والمؤسسات العسكرية والأمنية والخبرات القانونية والفنية، مهمتها متابعة مشاريع القرارات والتقارير، وتجهيز ملف السودان قبل أن يكتبه الآخرون عنه.
ويجب أن يتحرك السودان بالتوازي في نيويورك وعواصم الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وعلى مسارات الإمداد الإقليمية، وفي المجال القانوني والإعلامي الدولي. فمعركة 9 أكتوبر لن تبدأ صباح اجتماع المجلس؛ لقد بدأت منذ اللحظة التي انتهت فيها جلسة 11 سبتمبر، وكل فراغ تتركه الدولة في الرواية أو الوثيقة أو الدليل سيملؤه آخرون وفق معلوماتهم ومصادرهم ومصالحهم.
وتكشف هذه الجولة كذلك عن تحول أوسع. فالحرب باتت تنتج ملفاً دولياً متراكماً حول السودان: تقارير فريق الخبراء، وبعثة تقصي الحقائق، والعقوبات، وحماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، والمرتزقة، والمسيّرات، وتدفقات السلاح والانتهاكات. ومع كل تقرير تتشكل طبقة جديدة من الصورة التي تستقر في مؤسسات صنع القرار الدولي.
لهذا لن يكون ما يتحقق في الميدان، على أهميته، كافياً وحده لإدارة نتائج الحرب. يحتاج السودان إلى معركة موازية لتثبيت موقع الدولة ومؤسساتها في الخطاب الدولي، مع القبول بمساءلة أي انتهاكات تثبت وفق القانون، من دون أن تتحول المساءلة إلى مدخل لمحو الفارق القانوني والسياسي بين مؤسسة الدولة وقوة مسلحة خرجت على سلطتها.
وحتى إذا نجح السودان في منع توسيع الحظر في أكتوبر، فقد تعود الفكرة كلما تصاعدت الحرب وتطورت الأسلحة والمسيّرات وتراكمت التقارير. لذلك لا ينبغي بناء الاستراتيجية السودانية على انتظار الفيتو الروسي أو الموقف الصيني في كل مرة. تلك المواقف مهمة، وكذلك الموقف الأفريقي والباكستاني، لكن الأمن الدبلوماسي للدولة لا يُبنى على مواقف الآخرين وحدها؛ يُبنى على الحجة والوثيقة والدليل والتحالف والمبادرة.
لقد منح مجلس الأمن أطرافه شهراً إضافياً للتفاوض، ومنح السودان في الوقت نفسه نافذة سياسية نادرة للتحرك قبل أن تتبلور الصياغة المقبلة. ففي الحادي عشر من سبتمبر تجنب السودان قراراً كان يمكن أن يغير كثيراً من معادلات الحرب، أما في التاسع من أكتوبر فسيكون السؤال أكثر صرامة: هل استخدم السودان الشهر الذي كسبه… أم اكتفى بالاحتفال بأنه كسبه؟
السبت 12 سبتمبر 2026م
