25 أغسطس

الحوار السوداني… ومأزق صمود

شاهد عيان أغسطس 25, 2026
شارك الخبر:

الحوار السوداني… ومأزق صمود
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

لا خلاف على حاجة البلاد إلى حوار يؤسس لمرحلة جديدة، يعالج الاختلالات ويعيد بناء المؤسسات. لكن الحوار لا يصبح وطنياً بمجرد تسميته “سودانياً– سودانياً” ، كما لا يفقد أهميته اوشرعيته برفض طرف له، وإنما يقاس بنزاهة آلياته، واستقلال قراره، واتساع تمثيله، ووضوح أهدافه، وقدرته على إنتاج حلول تفتح طريق الاستقرار وبناء الدولة.

هنا يبدأ مأزق “صمود”. فرفضها للصيغة الحالية للحوار يمكن فهمه باعتباره تخوفاً مشروعاً من تحويل الحوار داخل البلاد إلى أداة لإعادة إنتاج شرعية العسكر، وهو موقف يستحق النقاش. لكن المأزق يبدأ حين يتجاوز الاعتراض على شروط الحوار إلى تحديد من يحق له المشاركة، أو حين يصبح القبول به مرهوناً بإعادة تشكيله وفق رؤية طرف واحد.

فإذا كان الحوار سودانياً، فإن ملكيته لا يمكن أن تكون حكراً على “صمود” ولا على السلطة ولا على أي كتلة سياسية أخرى. السودان أكبر من تحالف سياسي، وأوسع من القوى التي تناهض الجيش، كما أنه ليس ملكاً للقوى التي ساندته. وهناك أحزاب وقوى ذات وزن تاريخي ومجتمعي اختارت الوقوف إلى جانب الدولة والجيش خلال الحرب، وهي اليوم تؤيد الحوار داخل البلاد وترى أن معالجة الأزمة ينبغي أن تكون بإرادة سودانية، بعيداً عن الأجندات والضغوط الإقليمية والدولية. وجود هذه القوى لا يمكن تجاوزه، كما أن وجود القوى الأخرى المعارضة لا يمكن إلغاؤه.

وهذا فارق مهم ، فشمول الحوار لا يعني مساواة الحزب بالبندقية أو منح السلاح شرعية سياسية. والمبدأ يجب أن يسري على الجميع: فالمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والحزب الشيوعي والقوى الأخرى مكونات من التاريخ السياسي للبلاد ، وإقصاؤها لا يصنع ديمقراطية. المعيار هو المسؤولية القانونية لا الانتماء السياسي، من تثبت إدانته يُحاسب، ومن لم تثبت عليه جريمة لا يُعاقب بالانتماء. وهنا تصبح العدالة الانتقالية ضرورة وطنية: محاسبة بلا انتقام، وتوثيق بلا انتقائية، وردّ للحقوق دون تصفية للحسابات السياسية.

اللافت أن “صمود” نفسها تواجه مأزقاً لا يمكن تجاهله. فقد وُجّهت إلى بعض قياداتها اتهامات سياسية وجنائية بالتعاون مع الدعم السريع أو دعم انقلاب 15 أبريل، الذي قاد إلى الحرب وهي اتهامات تنفيها الجهات المعنية، ولا يجوز تحويلها إلى إدانة قبل اكتمال التحقيق والقضاء. لكن مجرد وجودها يضع “صمود” أمام السؤال ذاته الذي تطرحه بشأن العدالة والمساءلة: فإذا كان الحوار بوابة تأسيس الدولة بعد الحرب، فلا يستقيم أن تُطلب محاسبة الخصوم مع التمسك لنفسها بحصانة سياسية.

وهنا تبرز المفارقة المرتبطة بالخارج. فـ “صمود” تتحدث عن الملكية السودانية للقرار، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بخارطة الرباعية إطارًا للعملية السياسية. وهذا لا يكفي وحده للقول إنها تمثل مشروع دولة بعينها، ولا يصح تحويله إلى حكم قاطع على نواياها، لكنه يضعها أمام سؤال سياسي لا ينبغي التغافل عنه: إذا كان القرار سودانيًا خالصًا، فما حدود المرجعية الخارجية؟ وأين ينتهي الدعم الدولي ويبدأ القرار السوداني؟

وتزداد حساسية السؤال لأن الإمارات إحدى دول الرباعية، في ظل الاتهامات السودانية لها بدعم الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي وتدعمها منظمات إقليمية ودولية. ولذلك فإن تبني أي قوة سودانية لمرجعية خارجية ، يجب أن يكون شفافاً ومفهوماً أمام الشعب. فالدول تستطيع أن تساعد في تسهيل الحوار ، لكنها لا ينبغي أن تختار للسودانيين مستقبلهم.

 

ومن هنا يمكن فهم الاحتمالات المتوقعة. الأول ، أن يمضي الحوار بمن حضر، ثم تتحول مخرجاته إلى أساس لترتيبات المرحلة المقبلة، مستنداً إلى قوى سياسية ذات وزن تاريخي ومجتمعي ساندت الدولة والجيش خلال الحرب. عندها قد تجد “صمود” نفسها خارج مسار سياسي يتشكل داخل البلاد، وتتحول من شريك محتمل إلى معارضة بالخارج.

 

الثاني، أن يبدأ الحوار بمن حضر مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الآخرين. وهذا هو الاحتمال الأكثر عقلانية، فإذا أثبتت المرحلة الأولى استقلال الآلية، ونزاهة الإجراءات، وتكافؤ المشاركة، و الضمانات، وأن الهدف هو إعادة بناء الدولة لا إعادة إنتاج سلطة جديدة، ستتراجع مبررات المقاطعة، وتصبح المشاركة أقل كلفة من البقاء خارجها.

الثالث، والأخطر: أن تنتقل “صمود” من رفض الحوار إلى محاولة إفشاله عبر قوى إقليمية أو دولية. عندها يتجاوز الخلاف شروط الحوار إلى سؤال الاستقلال الوطني، خصوصاً مع الحديث عن الدور الإماراتي. وهنا تصبح أمام اختبار حقيقي: إثبات استقلال قرارها، أو مواجهة مزاج شعبي يرفض أي حل مفروض من الخارج، بما قد يعيد السودان إلى منطق الصراع الصفري الذي مهّد للحرب، حيث لا ينتصر طرف إلا بإقصاء الآخر.

الرابع، فيتصل بتطور الحوار وما قد يفرضه من مراجعات داخل “صمود” نفسها. فمع اتساع المشاركة وظهور ضمانات جدية، قد تستجيب بعض مكوناتها للحوار، إذ إن استمرار المقاطعة يعني التخلي عن التأثير في العملية السياسية، خصوصاً إذا أثبت الحوار قدرته على إنتاج تفاهمات عملية. عندها قد تتحول المقاطعة من موقف موحد إلى استجابة ظرفية، ويصبح الحفاظ على تماسك الموقف أكثر صعوبة كلما ترسخ الحوار.

بحسب #وجه_الحقيقة، مأزق “صمود” ليس في رفض الحوار، فهو حق سياسي، بل في إثبات أن الرفض لشروطه لا لمبدئه. وفي المقابل، على السلطة ألا تحول الحوار إلى منصة للإقصاء. فالسودان يحتاج حواراً لا يساوي بين الدولة والتمرد، ولا يقصي المختلفين، بل يؤسس لمسار تُحسم فيه السياسة بالانتخابات، والجرائم بالعدالة، والقرار بإرادة السودانيين.

الحوار لا يحتاج إجماعاً ليبدأ، لكنه يحتاج إرادة وطنية ليستمر. ومن يرفض حوار الداخل سيمضي السودان من دونه، ومن يدخله بمسؤولية سيكون شريكاً في الحل. والقاعدة الذهبية “السلاح للدولة، والسياسة للانتخابات، والقرار للشعب”.

دمتم بخير وعافية.

الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م. Shglawi55@gmail.com

مواضيع ذات صلة