20 أغسطس

مجلس التنسيق السوداني السعودي… من عمق العلاقة إلى هندسة المصالح المشتركة

شاهد عيان أغسطس 20, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

مجلس التنسيق السوداني السعودي… من عمق العلاقة إلى هندسة المصالح المشتركة

في لحظات التحول الكبرى، لا تبحث الدول فقط عن حلفاء، وإنما عن شركاء يساعدونها على إعادة تعريف موقعها في الإقليم، وتحويل علاقاتها الخارجية إلى أدوات تخدم بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.

ومن هذا المنظور، فإن توقيع وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السوداني السعودي في العاصمة الرياض بين وزير الخارجية السوداني السفير محي الدين سالم ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يمثل خطوة تتجاوز الإطار الدبلوماسي المعتاد، لأنه ينقل العلاقة بين الخرطوم والرياض من مساحة التقارب السياسي إلى فضاء العمل المؤسسي والمصالح المشتركة بعيدة المدى.

فالمجالس التنسيقية بين الدول لا تستمد أهميتها من لحظة إنشائها، وإنما من قدرتها على تحويل الإرادة السياسية إلى برامج تنفيذية، وربط الرؤية المشتركة بمشروعات محددة، وإيجاد آليات تضمن استدامة التعاون بعيداً عن الظروف الطارئة أو تغير الأولويات.

وتأتي أهمية هذا المجلس في توقيت حساس بالنسبة للسودان؛ فالدولة تمر بمرحلة تاريخية تحتاج فيها إلى إعادة بناء مؤسساتها، واستعادة قدرتها الاقتصادية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. وفي مثل هذه المراحل، تصبح العلاقات الخارجية الناجحة جزءاً من مشروع إعادة البناء الوطني، عندما تتحول من علاقات سياسية إلى شراكات قائمة على المصالح المتبادلة.

فالسودان بعد الحرب يحتاج إلى الانتقال من مرحلة إدارة آثار الأزمة إلى مرحلة بناء دولة قادرة على استعادة وظائفها، وتحريك اقتصادها، واستثمار مواردها، وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية. وهذا الانتقال يتطلب بيئة إقليمية داعمة، وشراكات طويلة الأجل تساعد السودان على استعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والأفريقي.

وتحتل المملكة العربية السعودية مكانة مهمةً في هذا السياق، ليس فقط بحكم الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع الشعبين، وإنما أيضاً بحكم مكانتها الإقليمية، وقدراتها الاقتصادية، وخبرتها التنموية، ودورها المتزايد في صياغة معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتتميز العلاقة السودانية السعودية بخصوصية تتجاوز المصالح السياسية المباشرة؛ فهي علاقة تشكلت عبر عقود من التواصل الشعبي والاقتصادي والثقافي، وظلت المملكة حاضرة في العديد من المحطات السودانية باعتبارها شريكاً إقليمياً مهماً. وهذه الخصوصية تمنح مجلس التنسيق قاعدة قوية يمكن البناء عليها للانتقال بالعلاقة إلى مستوى أكثر مؤسسية واستدامة.

وفي المقابل، يمتلك السودان عناصر قوة تجعله شريكاً مهماً؛ فهو بلد غني بالموارد الزراعية والمعدنية، ويمتلك موقعاً جغرافياً يربط العالم العربي بالقارة الأفريقية، ويطل على البحر الأحمر في واحدة من أكثر المناطق أهمية في حسابات الأمن والتجارة العالمية.

فالتحولات التي يشهدها البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة جعلت هذه المنطقة أكثر ارتباطاً بالأمن الدولي، من خلال ارتباطها بحركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولم يعد أمن البحر الأحمر قضية بحرية منفصلة عن أمن الدول المطلة عليه، وإنما أصبح جزءاً من معادلة أوسع تشمل الاستقرار السياسي، وحماية الموانئ، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن هنا تبرز أهمية ما أشار إليه وزير الخارجية السوداني من أن مجلس التنسيق سيشمل مجالات الأمن والدفاع، وأن البحر الأحمر يجب أن يكون منطقة آمنة وسليمة لجميع الدول التي تعتمد عليه. فالسودان، بحكم امتلاكه موقعاً مهماً وساحلاً يمتد على البحر الأحمر، معني بالانتقال من وضع الدولة المتأثرة بتوازنات المنطقة إلى وضع الدولة المشاركة في صياغة أمنها واستقرارها.

فالدول المطلة على البحار لا تحصل على القيمة الحقيقية لموقعها بمجرد امتلاك الساحل، وإنما بامتلاك القدرة على إدارته وتحويله إلى عنصر نفوذ وشراكة. وهذا ما يجعل التعاون السوداني السعودي في مجال الأمن البحري، وتبادل المعلومات، والتدريب، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وتطوير القدرات البحرية، جزءاً من رؤية أوسع تخدم أمن البلدين والمنطقة.

ولا ينبغي أن تتوقف أهمية المجلس التنسيقي عند الملفات السياسية والأمنية، فنجاحه الحقيقي سيقاس بقدرته على خلق نتائج ملموسة في حياة المواطنين، وتحويل العلاقة بين البلدين إلى شراكة إنتاج وتنمية.

ويأتي الاقتصاد في مقدمة هذه الملفات. فالسودان لا يحتاج فقط إلى تمويل مشروعاته، وإنما يحتاج إلى بناء شراكات تحول موارده الكبيرة من إمكانات كامنة إلى قيمة اقتصادية منتجة.

فالمملكة تمتلك رأس المال والخبرة الاستثمارية والتكنولوجيا والأسواق، بينما يمتلك السودان الأراضي الزراعية الواسعة، والموارد الطبيعية، والتموضع الجغرافي، والموانئ، والقدرات البشرية. وهذا التكامل يمكن أن يشكل أساساً لشراكات طويلة الأجل في مجالات الزراعة، والثروة الحيوانية، والطاقة، والتعدين، والنقل، والبنية التحتية.

كما يمثل التعاون في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والإدارة الحديثة فرصة مهمة للسودان، لأن بناء الدولة الحديثة لا يعتمد فقط على الموارد، وإنما على المؤسسات القادرة على إدارة تلك الموارد بكفاءة وشفافية.

وفي هذا السياق، فإن دور القطاع الخاص يجب أن يكون جزءاً أساسياً من معادلة التعاون بين البلدين. فالحكومات تضع الأطر السياسية والقانونية التي تفتح الطريق، لكن المشروعات الحقيقية تتحقق عندما يتحول هذا الإطار إلى شراكات بين المستثمرين ورجال الأعمال والمؤسسات الإنتاجية في البلدين.

ومن المطلوب أن يكون مجلس التنسيق منصة تربط بين القطاعين العام والخاص، وتساعد على تحديد الفرص الاستثمارية، وتذليل العقبات أمام المستثمرين، وتشجيع إقامة مشروعات مشتركة تسهم في خلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد وتعزيز التكامل بين البلدين.

وفي الجانب السياسي، فإن العلاقة السودانية السعودية تقوم على قاعدة مهمة تتمثل في احترام سيادة السودان ودعم استقراره، وهي قاعدة تكتسب أهمية خاصة في المرحلة الحالية. فاستقرار السودان لا يمثل مصلحة سودانية فقط، وإنما يرتبط بأمن البحر الأحمر، واستقرار الإقليم، ومصالح الدول العربية والأفريقية.

لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يحتاج إلى رؤية سودانية واضحة. فالمجلس التنسيقي يجب ألا يكون مجرد إطار للاجتماعات الدورية، وإنما منصة عمل مؤسسية تضع الأولويات، وتحدد المشاريع، وتتابع التنفيذ، وتقيس النتائج.

ومن المطلوب عملياً أن يعمل المجلس عبر مسارات متخصصة تشمل:

_مساراً اقتصادياً يحدد المشروعات الاستثمارية ذات الأولوية، ويضع آليات تنفيذها ومتابعتها.
_مساراً أمنياً ودفاعياً يعزز التعاون في أمن البحر الأحمر، وتبادل الخبرات والمعلومات وبناء القدرات.
_مساراً تنموياً يهتم بالتعليم والصحة والتقنية وبناء رأس المال البشري.
_مساراً للبنية التحتية والنقل والموانئ يربط السودان بشبكات التجارة الإقليمية والدولية.

كما يحتاج السودان إلى تقديم رؤية متكاملة لشراكته مع المملكة، تحدد بوضوح ما يحتاجه السودان، وما يستطيع تقديمه، وكيف يمكن تحويل الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية إلى مصالح مشتركة تخدم الشعبين.

فالعلاقات بين الدول لا تصنعها فقط روابط التاريخ، وإنما تصنعها القدرة على بناء المستقبل. والسودان والمملكة العربية السعودية يمتلكان من عناصر التقارب والمصالح المتبادلة ما يؤهل هذه العلاقة للانتقال إلى مستوى أكثر تأثيراً، إذا وجدت الرؤية المؤسسية والإرادة التنفيذية.

إن إنشاء مجلس التنسيق السوداني السعودي يمثل بداية مهمة، لكن قيمته الحقيقية ستظهر في اليوم التالي للتوقيع؛ عندما تتحول الوثائق إلى مشاريع، والمواقف السياسية إلى شراكات، والتقارب بين البلدين إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن السوداني في اقتصاده وأمنه ومستقبل وطنه.

والسودان أمام مرحلة يحتاج فيها إلى إعادة تعريف علاقاته الخارجية باعتبارها امتداداً لمشروع بناء الدولة؛ فالموقع الجغرافي لا يتحول إلى نفوذ إلا عندما تصاحبه رؤية، والثروات لا تتحول إلى قوة إلا عندما تجد شراكات تديرها، والعلاقات التاريخية لا تصبح مؤثرة إلا عندما تنتج مصالح مشتركة.

التاريخ يمنح العلاقات جذورها، لكن الرؤية تمنحها المستقبل؛ والموقع الجغرافي يمنح الدول الفرصة، لكن حسن الإدارة يحول الفرصة إلى قوة. والسودان يمتلك الجغرافيا والموارد والعمق التاريخي، ويبقى التحدي في بناء دولة مؤسسية تعرف كيف تحول هذه المزايا من عناصر كامنة إلى قوة فاعلة ومصدر نفوذ وتأثير.

الخميس 20 أغسطس 2026م

مواضيع ذات صلة