20 أغسطس

أزمة المحكمة الجنائية الدولية : حين تعجز العدالة أمام سياسة القوة

شاهد عيان أغسطس 20, 2026
شارك الخبر:

السفير رشاد فراج الطيب

لم تكن المحكمة الجنائية الدولية وليدة لحظة سياسية عابرة ، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل في تطور القانون الدولي ، بدأ بمحاكمات نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية ، ثم المحاكم الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا .

وكان جوهر الفكرة أن الجرائم الأشد خطورة على الإنسانية لا ينبغي أن تفلت من العقاب بسبب حدود الدولة أو الاحتماء بمبدأ السيادة .

في 17 يوليو 1998م

اعتمد مؤتمر روما نظام المحكمة الجنائية الدولية بأغلبية 120 دولة ، ودخل النظام حيز النفاذ عام 2002م ، لتصبح المحكمة أول محكمة جنائية دولية دائمة تختص بالنظر في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان ، وفق شروط الاختصاص التي حددها نظام روما .

غير أن ولادة المحكمة كشفت منذ البداية عن انقسام عميق بين الدول . فقد أيدت فرنسا وبريطانيا وروسيا نظام روما عند اعتماده ، بينما صوتت الولايات المتحدة والصين وإسرائيل ضده . وأصبحت أوروبا لاحقاً أحد أهم الداعمين السياسيين والقانونيين للمحكمة ، في حين بقيت الولايات المتحدة خارج نظام روما ، رغم توقيع الرئيس بيل كلينتون عليه عام 2000م دون أن تطلب واشنطن التصديق عليه .

والخلاف الأمريكي مع المحكمة ليس خلافاً على قضية محددة ، وإنما يتعلق بجوهر العلاقة بين السيادة الوطنية والعدالة الجنائية الدولية .

تخشى واشنطن أن تستخدم المحكمة لملاحقة جنود ومسؤولين أمريكيين ، وترفض خضوع مواطني دولة غير طرف في نظام روما لولاية محكمة دولية لا تملك الولايات المتحدة السيطرة عليها .

لكن هنا تظهر المفارقة : فالولايات المتحدة تستخدم بقوة مفردات القانون الدولي والمساءلة عندما يتعلق الأمر بخصومها ، بينما تتحفظ عندما تقترب قواعد المساءلة من مواطنيها أو حلفائها !

والسؤال الذي يفرض نفسه : هل يمكن بناء نظام دولي قائم على القانون إذا كانت بعض الدول تقبل القواعد حين تطبق على الآخرين وترفضها حين تمسها ؟

ومن أكثر مفارقات العدالة الدولية دلالةً جريمة العدوان .

فقد أدرجها نظام روما لاحقا ضمن اختصاص المحكمة منذ 1998م ، لكن تعريفها وشروط ملاحقتها لم تُعتمد إلا في مؤتمر كمبالا عام 2010م ، ولم يدخل اختصاص المحكمة بشأنها حيز التنفيذ إلا عام 2018م ، مع قيود كبيرة على ملاحقة قادة الدول غير الأطراف .

وهكذا تستطيع المحكمة في بعض الحالات ملاحقة جرائم الحرب التي تقع أثناء النزاع ، بينما تظل مساءلة المسؤول السياسي الذي اتخذ قرار بدء الحرب أكثر صعوبة . وهذه المفارقة تكشف حدود العدالة الدولية عندما تصطدم بمصالح الدول الكبرى وموازين القوة.

بلغ الصدام الأمريكي مع المحكمة مستوى أكثر خطورة في عهد الرئيس دونالد ترامب .

ففي فبراير 2025م أصدر أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات على المحكمة ومسؤولين فيها ، شملت تجميد أصول وفرض قيود على أشخاص مشاركين في تحقيقاتها ، في سياق رفض الاختصاص في ملفات تتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل .

وفي أغسطس 2026م فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على رئيسة المحكمة توموكو أكاني والمدعي العام المساعد عبد الله سيي ، في خطوة اعتبرتها المحكمة تهديداً لاستقلالها .

وفي يونيو 2026م رفع ثلاثة من قضاة المحكمة ، كيمبرلي بروست وسولومي بالونغي بوسا ورين أديلايد صوفي ألابيني-غانسو ، دعوى أمام القضاء الأمريكي ضد ترامب وإدارته اعتراضاً على العقوبات المفروضة عليهم.

والمفارقة أن قضاة محكمة دولية يفترض أن يعملوا باستقلال وجدوا أنفسهم مضطرين إلى اللجوء للقضاء الوطني للدفاع عن استقلالهم في مواجهة إجراءات حكومية أمريكية .

في المقابل ، اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مغايراً ، واعتبر المحكمة ركناً أساسياً في مكافحة الإفلات من العقاب ، ودافع عن استقلالها في مواجهة الضغوط والعقوبات .

وجميع دول الاتحاد الأوروبي أطراف في نظام روما .

غير أن الدعم الأوروبي نفسه ينبغي أن يظل مبدئياً وغير انتقائي ، لأن العدالة لا تستقيم إذا اختلف معيارها باختلاف هوية المتهم .

أما الاختبار الأكبر للمحكمة اليوم فهو فلسطين .

فقد بدأت تحقيقها في الوضع الفلسطيني عام 2021م ، بعد أن قررت اختصاصها الإقليمي في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ، عقب انضمام فلسطين إلى نظام روما عام 2015م وإحالتها الوضع إلى المحكمة عام 2018م .

وفي 21 نوفمبر 2024م أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت ، بعد أن خلصت الدائرة التمهيدية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محددة في قرارها ، كما رفضت المحكمة الاعتراضات الإسرائيلية على اختصاصها .

لكن إصدار مذكرة التوقيف شيء وتنفيذها شيء آخر . فالمحكمة لا تملك شرطة دولية ، وتعتمد في القبض على المطلوبين وتسليمهم على تعاون الدول الأطراف في نظام روما .

ولذلك فإن تنفيذ مذكرة نتنياهو سيظل مرتبطاً بالدول التي قد يدخل أراضيها وبمدى استعدادها للوفاء بالتزاماتها تجاه المحكمة .

وقد تظل المذكرة نافذة قانوناً ، بينما يظل تنفيذها رهناً بالسياسة والجغرافيا والعلاقات الدولية !

وهذه إحدى أكبر ثغرات العدالة الجنائية الدولية : المحكمة تستطيع إصدار القرار ، لكنها لا تملك دائماً أدوات فرضه .

فغياب جهاز إنفاذ دولي مستقل يجعل تنفيذ مذكرات التوقيف والأحكام مرتبطاً إلى حد كبير بإرادة الدول وموازين القوى .

فهل يعني ذلك أن المحكمة مسيسة ؟

الإجابة المنصفة ليست نعم أو لا .

فالمحكمة مؤسسة قضائية لها نظام قانوني وإجراءات ومعايير للإثبات ، وليست هيئة سياسية بالمعنى المباشر .

لكنها تعمل داخل نظام دولي شديد التسييس ؛ ولذلك تتأثر قدرتها على التحقيق والوصول إلى المتهمين وتنفيذ قراراتها بموازين القوة .

والمشكلة ، في جانب مهم منها ، ليست أن القانون نفسه سياسي ، وإنما أن إنفاذ القانون الدولي يجري داخل بيئة سياسية غير متساوية .

وهنا تبرز قضية السودان .

فالسودان ليس طرفاً في نظام روما ، لكن مجلس الأمن أحال وضع دارفور إلى المحكمة بموجب القرار 1593 لعام 2005م ، فأصبح لها اختصاص على الجرائم الداخلة في نظامها الأساسي التي يزعم أنها ارتكبت في دارفور منذ يوليو 2002م .

ومضت المحكمة سنوات طويلة في هذا الملف ، بينما ظلت قدرتها على تنفيذ مذكرات التوقيف محدودة .

ولا ينبغي للدول أن تطالب بالإفلات من العقاب ؛ فالجرائم الدولية يجب أن يحاسب مرتكبوها أياً كانت مواقعهم .

لكن العدالة تفقد جزءاً من مشروعيتها عندما يبدو أن قدرتها على الوصول إلى المتهم تتناسب عكسياً مع قوة الدولة التي ينتمي إليها .

وهنا تكمن المفارقة بين أفريقيا وفلسطين : ليس السؤال لماذا حوسب بعض الأفارقة ، وإنما لماذا لا يطبق المعيار نفسه على الجميع ؟

ومن المهم أيضاً تصحيح تصور شائع : المحكمة لم تمتنع عن التحقيق في الجرائم الإسرائيلية ، بل فتحت تحقيقاً في الوضع الفلسطيني عام 2021م وأصدرت لاحقاً مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين .

لكن السؤال المشروع يبقى : لماذا استغرق المسار القضائي كل هذا الوقت ، ولماذا ظلت قدرة المحكمة على تنفيذ قراراتها محدودة ؟

إن القضية في جوهرها تتجاوز المحكمة إلى أزمة العدالة الدولية نفسها .

فالولايات المتحدة ، وهي من القوى التي لعبت تاريخياً دوراً مهماً في بناء النظام الدولي ، تواجه اليوم إحدى مؤسسات العدالة الدولية بالعقوبات والضغوط ، بينما تتخذ في قضايا أخرى مواقف صارمة من جرائم الحرب والمساءلة عندما يتعلق الأمر بخصومها .

وهذه الازدواجية لا تضعف المحكمة وحدها ، بل تضعف النظام الدولي نفسه .

فإذا أصبح القانون الدولي قانوناً للأقوياء على الضعفاء ، أو قاعدة على الخصوم واستثناء على الحلفاء ، فإن شرعيته تتآكل ، وتتحول قواعده من معيار للعدالة إلى أداة من أدوات السياسة الدولية .

ولا يعني ذلك أن المحكمة فوق النقد .

فهي تحتاج إلى تطوير أدواتها ، وتوسيع ولايتها ، وتسريع إجراءاتها ، وتعزيز الشفافية والاستقلال ، وضمان عدم الانتقائية في اختيار الملفات .

لكن إصلاح المحكمة شيء ، وإخضاعها للضغط السياسي شيء آخر .

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقانون الدولي هو أن يصبح تطبيقه مرهوناً بموازين القوة .

فالعدالة لا تكون عدالة حقيقية عندما تصل إلى من لا يستطيع مقاومتها ، وتتوقف أمام من يملك القوة لحمايتها .

ولهذا فإن مستقبل المحكمة الجنائية الدولية لن يتوقف على بقائها مؤسسة قائمة فحسب ، وإنما على قدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن استقلالها وإصلاح مواطن الضعف فيها في الوقت نفسه .

فالمطلوب ليس محكمة تطارد الضعفاء ولا محكمة تحمي الأقوياء ، وإنما عدالة دولية تستطيع أن تطبق معياراً واحداً على الجميع : القوي والضعيف ، الحليف والخصم ، الرئيس والخفير .

قد تستطيع الولايات المتحدة إضعاف المحكمة مالياً وسياسياً ، وقد تستطيع الضغط على قضاتها وموظفيها ، لكنها لا تستطيع إلغاء الحاجة التاريخية التي أنشئت المحكمة من أجلها : أن تكون هناك جهة قضائية تقول إن بعض الجرائم لا تسقط بالتقادم ، وإن السلطة لا تمنح صاحبها حصانة من المسؤولية الجنائية .

فأزمة المحكمة الجنائية الدولية ليست في وجودها ، وإنما في أن العدالة التي تمثلها لم تصبح بعدُ متساوية على الجميع .

وإذا استمرت هذه الازدواجية ، فإن الخاسر لن يكون المحكمة وحدها ، بل النظام الدولي وسيادة القانون والثقة في فكرة العدالة الدولية نفسها .

بل والحضارة التي تقود النظام الدولي وتتسيد العالم بلا أخلاق أو نزاهة ودون صدق أو ضمير .

 

مواضيع ذات صلة