السياحة من ركام الحرب: فلسفة التعافي ودور “سياحة المآسي” في إعادة بناء الخرطوم
شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر
تُمثّل الحروب والنزاعات المسلحة اختباراً قاسياً لمرونة المجتمعات وقدرتها على النهوض من بين الركام. ومع ما شهدته العاصمة السودانية الخرطوم من دمار واسع طال البنية التحتية والمباني التاريخية والمعالم الثقافية، تبرز السياحة ليس مجرد نشاط اقتصادي ترفيهي، بل كأداة استراتيجية لإعادة بناء الصورة الذهنية، وتوثيق الذاكرة الوطنية، وتحريك عجلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي. إن الانتقال بالسودان من مرحلة الصدمة إلى مرحلة التعافي يتطلب رؤية سياحية غير تقليدية تعتمد على التدرج، الابتكار، والتكامل بين الجهود الرسمية والمبادرات المجتمعية.
لا يمكن إطلاق القطاع السياحي بعد الحروب دفعة واحدة، بل يستلزم الأمر استراتيجية مرحلية تأخذ بالاعتبار الواقع الأمني واللوجستي، وتبدأ مرحلة التمكين الجغرافي (المناطق المستقرة) لعودة الثقة تبدأ من الولايات التي لم تتأثر مباشرة بالنزاع، مثل الولاية الشمالية، ولاية البحر الأحمر، وولاية نهر النيل. إن تنشيط مسارات السياحة الثقافية في أهرامات البجراوية والمواقع الأثرية، وسياحة الغوص في بورتسودان، يعيد إدراج السودان على خريطة الاهتمام السياحي، ويوفر موارد عاجلة للقطاع.
ثم مرحلة الاستهداف الذكي (سياحة المغتربين والوفود) بالتركيز في المراحل الأولى على أبناء الوطن في المهاجر، والمنظمات الدولية، والصحفيين والباحثين، باعتبارهم شريحة أكتر تفهماً للظروف وأكثر قدرة على نقل أثر استقرار الأوضاع إلى المجتمع الدولي.
مرحلة العاصمة الخرطوم (سياحة التعافي والتضامن) بإدخال العاصمة ضمن منظومة الحركة السياحية من خلال “السياحة التضامنية”، التي تتيح للوفود والمؤسسات المساهمة المباشرة في دعم المجتمعات المحلية وإعادة بناء المعالم المتضررة عبر مسارات آمنة ومحددة.
يعتبر مشروع “سياحة المآسي” (Dark Tourism) .. توثيق للذاكرة و استثمار في السلام وتُعرف عالمياً بأنها زيارة المواقع التي شهدت أحداثاً تاريخية مأساوية أو نزاعات مسلحة. وفي حالة الخرطوم، لا ينبغي النظر إلى هذا المفهوم كاستعراض للدمار، بل كمشروع حضاري يستهدف تحويل ألم الحرب إلى درس في السلام وأداة للإعمار، وتشمل محاور استراتيجية ومنها مسار الذاكرة والسلام بتصميم جولات مرشدة في مواقع مفصلية متأثرة ( المباني الحكومية والتاريخية والمباني المشهورة) بهدف سرد قصص الصمود وتحويل المواقع إلى شواهد على أهمية السلام.
محور المتحف المفتوح للدمار بتخصص معالم بارزة متضررة كمعارض صور وثائق حية للأحداث بهدف توثيق التاريخ ومنع تزييف الذاكرة الجمعية للمدينة.
محور مبادرة (شاهد وشارك) بدمج الجولات السياحية لخلق فرص للمساهمة في مشروعات الترميم الإنساني بهدف توجيه عوائد الحركة السياحية لدعم المجتمع المحلي وإعادة البناء.
ضوابط نجاح هذا المشروع ترتكز بالكامل على الالتزام الأخلاقي لضمان عدم المتاجرة بآلام المواطنين، والسلامة الهندسية والأمنية بالتأكد التام من تطهير المسارات من الأجسام غير المنفجرة، إلى جانب التأطير التعليمي الذي يركز على قيمة السلام.
تلعب المنظمات التطوعية والمجتمعية دور الجسر الجامع بين القطاع الحكومي والشركاء الدوليين والمجتمع المحلي. ويمتد الدور المأمول لمنظمة “اصدقاء السياحة السودانية” التي اتشرف برئاسة مجلسها التنفيذي، عبر مجالات متعددة، تشمل التوثيق وحصر الأضرار بإنشاء أرشيف رقمي شامل يوثق حالة المعالم السياحية والأثرية في الخرطوم والولايات قبل الحرب وبعدها، ليكون قاعدة بيانات أساسية لمشروعات الترميم والتوعية، والمساهمة في تنظيم برامج تدريبية متخصصة للشباب والمرشدين حول إدارة “سياحة المآسي” بأساليب إنسانية وأخلاقية متقدمة، وترسيخ ثقافة التعامل مع الوفود السياحية في مرحلة التعافي.
التنسيق مع المنظمات الدولية المهتمة بالتراث اليونسكو، والتعاون مع المؤسسات الأكاديمية لإعداد دراسات علمية تتناول سبل النهوض بالقطاع، بالإضافة إلى دورها المنشود في صناعة المحتوى والترويج بإطلاق حملات إعلامية نوعية تسلط الضوء على ثراء التراث السوداني وروح التضامن المجتمعي، وتؤكد قدرة الخرطوم والسودان على النهوض مجدداً.
إن إعادة إحياء السياحة في السودان، وتحديداً في الخرطوم، ليست مجرد خطوة اقتصادية، بل هي عملية استعادة للهوية الوطنية والإنسانية. ومن خلال التخطيط المرحلي الدقيق وتفعيل المبادرات الجريئة كـ “سياحة المآسي” تحت مظلة أخلاقية ومجتمعية واعية، يمكن إرساء نموذج ملهم يتجاوز محنة الحرب نحو آفاق الإعمار والسلام.
