19 أغسطس

للحقيقة وجه آخر | الكاتب : آدم حسن إبراهيم

شاهد عيان أغسطس 19, 2026
شارك الخبر:

للحقيقة وجه آخر
الكاتب : آدم حسن إبراهيم
العمود (6)

■ ■ ■

في زمن تتشابك فيه خيوط السياسة الإقليمية، وتتحرك فيه الدبلوماسيات بهدوء خلف أبواب مغلقة، تبرز الزيارات الرسمية كأحداث تستحق التوقف عندها، لا لظاهرها البروتوكولي، بل لما تخفيه من رسائل وتحالفات ومواقف. زيارة الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة الانتقالي ونائب القائد العام للقوات المسلحة السودانية، إلى تركيا، واحدة من تلك الأحداث التي تحتاج إلى قراءة متأنية، بعيدًا عن التصريحات الجاهزة وبيانات الاستقبال المجاملة.

■ الوجه السياسي: رسائل في توقيت الحرب

تأتي زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى أنقرة في لحظة فارقة من عمر الأزمة السودانية، حيث تقترب الحرب من منعطفات حاسمة على الأرض، وتتسارع تحركات القوى الإقليمية والدولية لإعادة رسم موازين النفوذ في السودان ومنطقة البحر الأحمر. الوجه الظاهر للزيارة هو تعزيز العلاقات الثنائية بين السودان وتركيا، وتنسيق المواقف في القضايا ذات الاهتمام المشترك. لكن الوجه الآخر للحقيقة السياسية أن هذه الزيارة تحمل رسائل أبعد من ذلك بكثير.

السودان، الذي يقاتل دفاعًا عن سيادته ووحدة أراضيه، يبحث عن حلفاء جدد، وعن أبواب لم يطرقها من قبل. تركيا، بقوتها الإقليمية المتنامية، وعلاقتها المتوازنة مع أطراف إقليمية متعددة، تمثل خيارًا استراتيجيًا للسودان في وقت تتراجع فيه ثقة الخرطوم ببعض القوى التقليدية. زيارة نائب القائد العام للجيش السوداني لتركيا تعني أن القيادة السودانية تعيد ترتيب أوراقها الإقليمية، وترسل إشارة إلى الداخل والخارج بأنها قادرة على بناء تحالفات جديدة تخدم مصالحها في هذه المرحلة الحرجة.

■ الوجه العسكري: تعاون أم صفقات؟

لا يمكن فصل زيارة مسؤول عسكري رفيع مثل الفريق أول ياسر العطا عن البُعد العسكري للعلاقات السودانية التركية. تركيا تمتلك صناعات دفاعية متقدمة، وقد سبق أن وقعت مع السودان اتفاقيات تعاون عسكري وأمني قبل الحرب. في زمن الحرب، تبحث الجيوش عن مصادر دعم عسكري موثوقة، وتركيا بمسيراتها الشهيرة ومعداتها الحربية أصبحت لاعبًا مهمًا في سوق السلاح العالمي.

الوجه الآخر هنا هو أن هذه الزيارة قد تكون مدخلًا لتعاون عسكري أعمق، سواء في مجال التدريب أو التسليح أو تبادل الخبرات. الجيش السوداني، الذي يخوض معركة وجودية ضد مليشيا الدعم السريع، يحتاج إلى كل أشكال الدعم العسكري والتقني. ولا شك أن أنقرة، التي ترى في السودان بوابة لأفريقيا وعمقًا استراتيجيًا في البحر الأحمر، تدرك أن دعم الاستقرار في السودان يخدم مصالحها هي أيضًا. فالوجه الآخر للحقيقة هو أن هذه الزيارة قد تكون فاتحة لتعاون عسكري لا يتوقف عند حدود التصريحات.

■ الوجه الاقتصادي: البحر الأحمر والمنافع المتبادلة

أما على الصعيد الاقتصادي، فثمة مصالح متبادلة تجعل من التقارب السوداني التركي ضرورة لكلا الطرفين. السودان، بموقعه المطل على البحر الأحمر، وثرواته الزراعية والمعدنية، يمثل فرصة اقتصادية هائلة لتركيا. من ناحية أخرى، تحتاج الخرطوم إلى استثمارات وشراكات تساعدها على إعادة الإعمار بعد الحرب، وتركيا بما تملكه من تجربة في البنية التحتية والصناعة يمكن أن تكون شريكًا مهمًا في هذه المرحلة.

الوجه الآخر للحقيقة الاقتصادية هو أن تركيا لا تريد أن تترك السودان ساحة فارغة لقوى إقليمية أخرى تنافسها. فمنذ سنوات، تعمل أنقرة على تعزيز حضورها في القرن الأفريقي، وقد كان للسودان نصيب من هذا الاهتمام من خلال اتفاقيات ومشاريع مشتركة. زيارة الفريق أول ياسر العطا قد تكون إيذانًا بعودة النشاط التركي الاقتصادي في السودان، لكن هذه المرة بظروف جديدة تفرضها الحرب وما بعدها.

■ الوجه الاجتماعي: ثقل الرمز وثقة الشعب

وعلى المستوى الاجتماعي، لا يمكن تجاهل أن الفريق أول ياسر العطا يحظى بمكانة خاصة لدى قطاع واسع من الشعب السوداني، خصوصًا في هذه الفترة التي تصاعد فيها خطابه الوطني الصريح. زيارته إلى تركيا ليست مجرد تحرك دبلوماسي فردي، بل هي تحرك باسم الدولة السودانية وقواتها المسلحة، ويقرأها الشارع السوداني كخطوة في طريق كسب دعم دولي للمعركة الوطنية.

الوجه الآخر هنا هو أن قيادة الجيش السوداني تدرك أهمية المخاطبة الرمزية للشعب. إرسال نائب القائد العام في مثل هذه المهمة، وليس مسؤولًا مدنيًا فقط، يعكس جدية الملف، ويطمئن الداخل بأن قيادة الجيش لا تقاتل بالسلاح فقط، بل تدير معارك السياسة والدبلوماسية بنفس القدر من الحسم. هذا التواصل بين الجيش والشعب عبر الرمزية السياسية للزيارات الخارجية جزء مهم من معنويات الداخل وصموده.

■ خلاصة الحقيقة

زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى تركيا ليست نزهة دبلوماسية عابرة، بل هي خطوة محسوبة في مسار تحالفات إقليمية يعاد تشكيلها. الوجه الآخر للحقيقة هو أن السودان لا يقف وحيدًا، وأن البحث عن شركاء موثوقين جزء من معركة الكرامة والسيادة.

لكن الحقيقة الأهم التي يجب أن تبقى راسخة: أن استقرار السودان وقوته الذاتية هما الضامن الحقيقي لأي تحالفات، فالدول لا تمنح سيادتها لأحد، بل تفرضها بإرادة جيشها وشعبها. تركيا شريك محتمل، لكن الرهان الأكبر يظل على السودانيين أنفسهم، جيشًا ومقاومة وشعبًا صامدًا.

■ ■ ■

نلتقيكم أحبابي بإذن الله تعالى
يومياً في هذا العمود
نسأل الله سبحانه وتعالى لكم ولي التوفيق

مواضيع ذات صلة