جرح السودان النازف: نحو عدالة ناجزة لا تسقط بالتقادم
جرح السودان النازف: نحو عدالة ناجزة لا تسقط بالتقادم
بقلم ✍️ محمد سيد
لا تقتصر العدالة على كونها مجرد نص قانوني يُتلى في أروقة المحاكم، بل هي الروح التي تسري في جسد الأمة لتبقيها حية ومتماسكة. وحين تغيب العدالة، تتآكل الدول من الداخل، وتتصدع ثقة المواطن بأجهزتها الرسمية والتنفيذية والتشريعية، لتتحول الأوطان إلى مساحات يسودها الخراب النفسي والمادي.
وما يعيشه الشعب السوداني اليوم يمثل قمة المأساة الإنسانية وأعظم كارثة شهدتها المنطقة؛ إذ تعرض لحرب ضروس، وتشريد قسري، ونزوح واسع، وانتهاكات جسيمة طالت كل مناحي الحياة. لم تقتصر هذه الفظائع على سفك الدماء فحسب، بل امتدت لتشمل سياسة الأرض المحروقة والانتهاك الصارخ لحرمات البيوت؛ حيث عَمَدت هذه المليشيات الإجرامية إلى حرق وتدمير ممنهج للبنية التحتية من مستشفيات ومرافق خدمية ومؤسسات تعليمية، فضلاً عن تدمير النسيج الاجتماعي والصحي. لقد خلفت هذه الحرب دماراً نفسياً عميقاً لا يمكن تصوره، وحكت الشاهدات قصصاً تفطر القلوب لعائدين تجرؤوا على دخول منازلهم بعد نزوح طويل، فوقعوا فريسة لصدمات مروعة كادت تصيبهم بالجنون من هول ما رأوه من عبث وتخريب وانتهاك لحرمة بيوتهم ومقتنياتهم، وهو واقع مرير يعكس حجماً هائلاً من الأذى النفسي الذي جعل الملايين من أبناء الشعب السوداني، صغاراً وكباراً، في أمسّ الحاجة إلى تدخلات عاجلة من أطباء نفسيين وفرق دعم متخصص لمعالجة الصدمات والآثار العميقة التي خلفتها جرائم الترهيب والعنف والاعتداءات المروعة.
وفي خضم هذا كله، أُزهقت الأرواح بِأبشع صور البربرية، ودون أدنى اكتراثٍ بقيمة الحياة البشرية أو حرمتها. ويمثل استشهاد الوالي خميس أبكر نموذجاً صارخاً لتلك الفظائع التي تندى لها جبين الإنسانية، وشاهداً حياً على مدى السقوط القيمي لمن أشعلوا فتيل هذه الحرب اللعين. إن هؤلاء لم يعودوا مجرد أشخاص عاديين أو حتى وحوشاً كاسرة، فالوحوش في الغابات تحكمها غرائز البقاء ولها قوانينها الطبيعية، بينما تجرد هؤلاء من كل معاني الإنسانية، وألمّوا بالشعب السوداني كسرطان مدمر نسأل الله العلي القدير أن يرفعه عن هذه البلاد قريباً.
ولأن الكارثة بحجم الوطن، فإن مقومات العدالة يجب أن ترتكز على إطار قانوني ومؤسسي متكامل وصارم لا يعترف بأنصاف الحلول. إن التعامل مع هذه الجرائم البشعة وتداعياتها يستطلب تفعيل مسارات متعددة الجوانب تبدأ بـ التوثيق الدقيق والأرشيف الجنائي المحايد الذي يجمع الأدلة الدامغة على جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وانتهاك حرمات المساكن، والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وفق معايير دولية دقيقة تضمن عدم إفلات أي مجرم من العقاب. وثانياً عبر الآليات القانونية والمفوضيات الوطنية والدولية المتخصصة؛ من خلال تفعيل دور مفوضيات حقوق الإنسان، ومراجعة وتطوير القوانين الوطنية الناجزة لإنصاف المتضررين، والتعاون الوثيق مع آليات القضاء الدولي والمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن الدولي، واستخدام الولاية القضائية العالمية لملاحقة قيادات هذه المليشيات وأعوانهم في كل مكان. وثالثاً عبر الإنصاف الشامل وجبر الضرر للضحايا من خلال استراتيجيات وطنية ودولية لإعادة تأهيل البنية التحتية، والقطاع الصحي والمستشفيات، وتوفير العيادات المتنقلة وفرق الدعم النفسي المتخصصة لمعالجة ضحايا الصدمات ومرتادي المنازل المنكوبة الذين نالهم النصيب الأكبر من الانهيار النفسي. وأخيراً، تفكيك منظومة الإفلات من العقاب نهائياً؛ حيث إن غياب المحاسبة عبر التاريخ الحديث للسودان كان هو الوقود الحقيقي لتجدد الحروب، ولن يتم بناء سلام مستدام إلا باقتلاع الجذور التي سمحت لهؤلاء الأوباش بانتهاك حرمة الوطن والمواطن دون رادع قانوني قاطع.
إن العدالة في السودان ليست خياراً ترفيهياً، بل هي الفريضة الغائبة والشرط الأساسي لعودة الحياة، وبدونها لن تلتئم جراح الأمهات، ولن يهدأ ثأر الأرواح الطاهرة التي ذهبت ضحية العبث بوطن كان وما زال يستحق الأفضل.
