9 أغسطس

زاوية خاصة | نايلة علي محمد الخليفة

شاهد عيان أغسطس 9, 2026
شارك الخبر:

الضعين تهتز.. هل بدأت المليشيا تفقد حاضنتها

زاوية خاصة | نايلة علي محمد الخليفة

كل الانهيارات لا تبدأ من جبهة القتال ، أحياناً يبدأ الانهيار الحقيقي من الداخل ، من لحظة تتوقف فيها الأسر عن إرسال أبنائها ، وتتردد القيادات الأهلية في تلبية طلبات الاستنفار ، ويبدأ السؤال الذي تخشاه أي قيادة مسلحة ماذا قدمتم لمن ذهبوا إلى الحرب ، الرواية المتداولة عن اللقاء الذي جمع المجرم عبد الرحيم دقلو بعدد من عمد ورموز الرزيقات في مدينة الضعين تحمل ، مؤشرات تستحق التوقف عندها ، فالحديث لم يكن عن خلاف سياسي ، وإنما عن جرح اجتماعي مفتوح منذ سنوات أدخلت فيه المليشيا الحواضن في نفق مظلم ، عنوانه الجرحى والقتلى ومبتوروي الأطراف والأسر التي دفعت ثمناً باهظاً للحرب ،

العمد بحسب ما نُقل عن اللقاء مع المليشي عبد الرحيم دقلو ، تحدثوا بلغة مباشرة وقاسية عن أوضاع مقاتلين أصيبوا في المعارك ، وعن جروح لم تجد الرعاية وعن تفريق بين خشوم البيوت ، وعن أسر تواجه وحدها نتائج حرب طال أمدها ، وهنا تكمن الخطورة التي تجعل المليشيا ترتجف ، فالمقاتل الذي يعود مبتوراً أو مشلولاً لا يعود مجرد رقم في كشف الخسائر ، بل يصبح قصة تراها الأسرة والحي والقرية كل يوم ، وكل جريح مهمل يمكن أن يتحول إلى سؤال جديد في ذهن شاب يُطلب منه الالتحاق بالقتال ، ماذا سيكون مصيري إذا عدت مصاباً؟ ، هذه الأسئلة أخطر على أي مشروع تعبئة من البيانات السياسية والخطب الحماسية التي كانت تخاطب بها المليشيا عقول الأهالي سابقا ،

والأكثر دلالة أن الشكوى وفق الرواية ، تحولت إلى عجز عن الاستنفار ، أي أن المشكلة لم تعد في رغبة القيادة في إرسال المزيد من المقاتلين ، وإنما في قدرة الوسطاء الاجتماعيين العمد على إقناع الأسر بتقديم أبنائها للقتال مع المليشيا ، وهنا تتغير المعادلة بالكامل.

القيادة العسكرية تستطيع إصدار الأوامر ، لكنها لا تستطيع إجبار أُم على أن تنظر إلى ابنها باعتباره مشروع مقاتل إلى أجل غير معلوم ، تستطيع أن تطلب من العمدة الاستنفار ، لكنها لا تستطيع أن تمحو من ذاكرة المجتمع صور الذين ذهبوا ولم يعودوا ، أو عادوا بأجساد مثقلة بالإصابات ، ولذلك فإن الحديث عن مطالبة المليشي القاتل عبد الرحيم دقلو بالذهاب إلى الحلال والفرقان لمخاطبة الأمهات ، كما ورد في الرواية ، يحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية ، عندما تصل أزمة الاستنفار إلى عتبات البيوت ، تصبح القضية أكبر من قدرة العمد والنظار على حلها ، لكن اللحظة الأكثر إثارة في الرواية ، حسب مانقل الصحفي عبد الماجد عبد الحميد هي انتقال اللقاء من الشكوى إلى التهديد ، اتهام بعض العمد بالتواطؤ مع الجيش ، ثم التلويح بالسجن ، ثم مقاطعة عدد من الحاضرين للمتحدث ورفضهم لغة التهديد ، كلها تكشف أن المسافة بين قيادة المليشيا وبعض رموزها الاجتماعية لم تعد مريحة كما كانت ، والعبارة المنسوبة إلى أحد العمد “أنحنا ما بتهددونا بالسجن” ، ليست مجرد رد غاضب ، فهي اختصار للحظة فارقة لحظة يشعر فيها الرمز الأهلي أن بإمكانه مواجهة قيادة المليشيا بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ ما تطلبه.

هنا تحديداً ينبغي قراءة الاعتقالات المتزامنة بحق بعض القيادات والرموز الأهلية ، تحت عنوان تهاوي تلة الرمل ، فإذا كانت هذه الاعتقالات تهدف إلى إسكات الاعتراضات ، فإنها قد تحقق هدوءاً مؤقتاً ، لكنها في المقابل قد توسع دائرة الغضب وتدفع المزيد من القيادات إلى الابتعاد عن المليشيا ، فالاعتقال لا يعيد الثقة ، والتهديد لا يصنع حاضنة ، والقوة وحدها لا تستطيع إلى ما لا نهاية تعويض تراجع القناعة ، إن المليشيات تعتمد على ثلاثة أشياء متلازمة وهي السلاح والتمويل الخارجي ، والقدرة على الحشد القبلي ، وعندما يبدأ أحد هذه الأضلاع في التآكل ، تصبح المحافظة على البقية أكثر صعوبة.

ما يثير القلق والفزع بالنسبة لقيادة التمرد ، أن التآكل هذه المرة لا يبدو عسكرياً فقط في الميدان ، الذي فقدت فيه المليشيا مساحات شاسعة بفضل تقدم الجيش في كردفان ومناوشة المليشيا في دارفور ، بل التآكل هذه المرة اجتماعياً ، وهذه نقطة شديدة الحساسية.

فدارفور ليست مجرد جغرافيا للقتال ، والقبائل ليست مجرد خزانات بشرية يمكن فتحها وإغلاقها بأوامر آل دقلو والماهرية ، هناك علاقات اجتماعية معقدة ، وذاكرة ممتدة ، وأسر لها حساباتها ، وقيادات أهلية تستطيع أن تؤثر ، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تتجاهل أسئلة مجتمعها إلى الأبد ، يمكن للخطاب التعبوي أن ينجح في مرحلة من الحرب ، لكن مع مرور السنوات تتغير الأولويات ، يصبح توفير العلاج أهم من الشعارات ، وحماية الأبناء أهم من التعبئة ، وتأمين المستقبل أهم من وعود النصر الزائف ، ومن هنا فإن أخطر ما في قصة الضعين ليس ما قيل داخل القاعة ، بل ما يمكن أن يكون قد بدأ خارجها ، ويتمحور في ماذا تقول الأمهات؟ ، ماذا يقول الجرحى؟ ، ماذا تقول الأسر التي فقدت أبناءها؟ ، وماذا سيقول الشاب الذي يُطلب منه اليوم أن يلتحق بصفوف القتال وهو يرى أمامه مصير من سبقوه؟ ، إذا تحولت هذه الأسئلة إلى قناعة جماعية ، فلن تكون المليشيا أمام أزمة استنفار فقط ، وإنما أمام أزمة شرعية اجتماعية داخل بيئتها وحاضنتها التي ظلت تكذب عليها.

ربما لهذا السبب تحديداً سيكون للقاء الضعين ما بعده ، فالمعارك تُحسم أحياناً بالسلاح ، لكن الحروب الطويلة تُحسم أيضاً بقدرة المجتمع على الاستمرار في دفع ثمنها ، وعندما يبدأ المجتمع في السؤال عن الثمن ، ثم يرفض التهديد ، ثم يتردد في تقديم المزيد من الأبناء ، فهنا ينبغي على المليشيا أن تدرك أن المعركة لم تعد في الميدان وحده ، المعركة الحقيقية بدأت داخل البيوت التي احتضنتكم والآن بدأت تلفظكم ولكن بعد ماذا بعد الخراب والموت …لنا عودة.

مواضيع ذات صلة