15 أغسطس

أنيابٌ في العتمة: عندما يدرك “الذئب” أنه صار طريداً للمجتمع

شاهد عيان يوليو 27, 2026
شارك الخبر:

أنيابٌ في العتمة: عندما يدرك “الذئب” أنه صار طريداً للمجتمع
​بقلم محمد سيد
​في زاوية مظلمة من زوايا الحرب التي أنهكت أجساد السودانيين وأرواحهم، لم تعد صيحات الفخر المزيفة بـ “الغنيمة” و”السيطرة” تملأ جدران المقرات المستباحة، بل حلّت محلها همسات متأخرة تشبه صرير الأبواب المتهالكة. اعترافٌ خاطف، خرج بكثير من المرارة والحرقة، أدلى به جهاراً أحد عناصر ميليشيا الظلم والترويع والإرهاب المسماة بـ (الدعم السريع)، وهو يراقب نظرات الخوف والمقت والاستحقار التي تلاحقه أينما حلّ:
​”المجتمع السوداني صعب يتعايش معانا.. نظرة المجتمع لنا ككلاب.”
​لم تكن هذه الكلمات الصادرة من قلب هذه الميليشيا الإرهابية مجرد جملة عابرة أو لحظة ندم طارئة، بل كانت إقراراً حارقاً وصريحاً بأن العزلة التي يعيشونها أعمق بكثير من مجرد حصار عسكري. لقد أدرك هذا العنصر الميليشي -في لحظة صدق نادرة فرضتها واقعيتهم المظلمة- أن الشعب السوداني بات يراهم كائناً غريباً خائناً، لا يملك عهداً ولا أماناً، كائنات تجري في دمائها جينات الغدر والترصد، وتترقب الفرصة للانقضاض على من آواهم أو طمأنهم. إنها النظرة التي لا تكتفي بالرفض، بل تتجاوزه إلى الاحتقار المطلق والاشمئزاز من مجرد وجودهم في النسيج الوطني.
​غريزة الذئاب المفترسة وكيف يلوث القاتل الديار بآثامه، لا تلد المجتمعات هذا القدر من الكراهية والاستحقار من الفراغ، والشعب السوداني -الذي عُرِف تاريخياً بالتسامح وفتح البيوت للغريب قبل القريب- لم يغلق أبوابه ويشلّ قدرته على التعايش إلا بعد أن رأى سلوكاً غادراً ووحشياً من عناصر هذه الميليشيا لم يشهده حتى في أعتى كوابيسه.
​لقد تصرفت ميليشيا الدعم السريع في أزقة المدن وقرى الأرياف بغريزة الذئاب المفترسة؛ تبتسم للضحية في لحظة ثم تغدر بها في اللحظة التالية، تقتحم البيوت الآمنة، تروع النساء والأطفال، تنهب الممتلكات وتنهك الأرواح. وما إن تطأ أقدامهم الدنسة المتعفنة أرض الأحياء الطاهرة، حتى تنقلب الحياة إلى جحيم يُجبر المواطنين على ترك ديارهم خاوية على عروشها، ينفذون بجلدهم وأرواحهم فراراً من الجحيم، يبحثون عن الملاذ الآمن والسكينة في أراضٍ تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية. لم تكن تحركات عناصر الدعم السريع تحركات رجال يحملون قضية، بل كانت سلوكاً مطابقاً لـ “الكلاب الضالة” التي تجمعها الرغبة في النهب، وتفشي الغدر، ثم تتصارع على الغنائم وسط الركام.
​وهم السيطرة بالسلاح والاستفتاء الشعبي لعدالة الجند السوداني، لقد ظن هؤلاء الإرهابيون أن البندقية الموجهة إلى صدور العُزّل قادرة على فرض واقع جديد، وأن السيطرة على المباني تمنحهم مشروعية البقاء. لكن الحقيقة التي اصطدموا بها هي أن السلاح قد يمنحك الأرض مؤقتاً، لكنه يقتلك اجتماعياً ويجردك من إنسانيتك إلى الأبد. لقد رأى السودانيون في أفعال ميليشيا الدعم السريع طعنة في ظهر الوطن، وممارسة صريحة للغدر الممنهج الذي يجعل التعايش معهم أمراً مستحيلاً.
​وفي المقابل، جاء المشهد الأصدق فور تحقق التحرير؛ إذ انطلقت جموع السودانيين في عودة ملحمية إلى مناطقهم المحررة، في استفتاء شعبي واضح وجليّ يؤكد إيمانهم المطلق بعدالة وبسالة وقوة الجند السوداني. لم تكن العودة مجرد رجوع للديار، بل تحولت إلى لوحة من الأمان والاطمئنان، حتى بات المواطنون يتركون أبواب بيوتهم مشرعة ومفتوحة، في دلالة رمزية عميقة تعلن تعافي الأرض، واستعادة الأمن والأمان الذي غاب يوم دُنست بوجود عناصر ميليشيا الإرهاب الذين يحملون الغدر بين طياتهم.
​حتمية المصير والوصمة الأبدية التي لا تُمحى، إن اعتراف ذلك “الجنجويدي” المنتمي لميليشيا الدعم السريع يتجاوز كونه شكوى فردية؛ إنه الصدى الحقيقي لحقيقة موقف الشارع السوداني الذي بات يرصدهم بنظرات الازدراء والمقت. فمن يختار أن يعيش كـ “الذئب” الغادر في افتراس الآمنين وتشريدهم، لن يرى فيه الناس إلا كـ “كلب ضال” يُحذَر منه، يُنفر من دنسه، ويُطرد بلا رجعة من نسيج الحياة والتعايش.
​ستكتمل عملية تطهير الأرض وتُرمّم الجدران، لكن الوصمة التي طبعتها هذه الميليشيا على جبهتها بغدرها ووحشيتها ستظل حائلاً أبدياً يمنعها من أن تطأ أرض التعايش مرة أخرى.

مواضيع ذات صلة