السودان والبحر الأحمر… الأمن القومي بين ضرورات الموقع وغياب الرؤية
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
السودان والبحر الأحمر… الأمن القومي بين ضرورات الموقع وغياب الرؤية
تتحرك دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر بسرعة متزايدة لإعادة ترتيب مواقعها، وبناء تحالفاتها، وتأمين مصالحها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً في التجارة الدولية والأمن الإقليمي. تتفاوض إثيوبيا من أجل الوصول إلى البحر، وتتحرك الصومال لحماية سيادتها، وتبني مصر وإريتريا منظومة تنسيق سياسي وأمني، وتتوسط تركيا، وتنخرط الولايات المتحدة في المشهد، بينما يغيب السودان، صاحب الساحل الأطول والأكثر أهمية في الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، عن كثير من اللقاءات التي تناقش مستقبل الإقليم وأمنه وتوازناته.
بدأت أحدث فصول هذا التحول في الأول من يناير 2024م، بتوقيع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس إقليم أرض الصومال، موسى بيحي عبدي، مذكرة تفاهم منحت إثيوبيا، وفق ما أعلنته سلطات الإقليم، حق استخدام شريط ساحلي بطول نحو عشرين كيلومتراً لمدة خمسين عاماً، لأغراض بحرية وتجارية، مقابل تقييم إثيوبيا إمكانية الاعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة. وقد وُصفت المذكرة أيضاً بأنها تتيح لأديس أبابا إقامة منشأة بحرية والحصول على منفذ مباشر إلى خليج عدن.
مثلت المذكرة تعبيراً واضحاً عن التحول الذي طرأ على التفكير الاستراتيجي الإثيوبي. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993م، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد بصورة رئيسية على موانئ الدول المجاورة، ولا سيما ميناء جيبوتي. ومن هذا المنطلق، أخذت القيادة الإثيوبية تنظر إلى الوصول المستدام إلى البحر باعتباره ضرورة اقتصادية وأمنية، وأداة لتعزيز نفوذ الدولة وبناء حضور بحري يتناسب مع حجمها السكاني وطموحاتها الإقليمية.
غير أن الخطوة الإثيوبية فتحت أزمة حادة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي عدّت الاتفاق انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها، وأكدت أن أرض الصومال لا تملك الصفة القانونية التي تخولها إبرام اتفاقيات تمس الأراضي والمياه الإقليمية الصومالية. وقد دعمت أطراف إقليمية ودولية موقف مقديشو، وشددت على احترام وحدة الصومال وحدوده المعترف بها دولياً.
ومع تصاعد التوتر، تحركت تركيا وسيطاً بين الصومال وإثيوبيا، مستندة إلى قراءة عميقة لأهمية القرن الأفريقي والبحر الأحمر بالنسبة إلى مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية. وأسفرت الوساطة عن إعلان أنقرة الصادر في 11 ديسمبر 2024م، الذي أكد احترام الطرفين سيادة كل دولة ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، وأقر العمل على ترتيبات تتيح لإثيوبيا وصولاً آمناً ومستداماً إلى البحر تحت السيادة الصومالية، وعبر اتفاقات تجارية وقانونية مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو. كما انعقدت في فبراير 2025م الجولة الأولى من المفاوضات الفنية لتنفيذ الإعلان.
ومن الإنصاف، في المقابل، النظر إلى القضية من زاوية المصالح الإثيوبية أيضاً. فإثيوبيا، بوصفها أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، تمتلك مصلحة مشروعة في البحث عن منفذ بحري دائم يخفف كلفة تجارتها ويعزز أمنها الاقتصادي، شريطة أن يتحقق ذلك عبر الاتفاقات السلمية، واحترام سيادة الدول، والقانون الدولي، والتفاهمات الإقليمية، لا عبر فرض وقائع جديدة أو تجاوز الحكومات الشرعية.
غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن الخطاب الإثيوبي يستند في ملف البحر الأحمر إلى مبادئ التعاون والتفاوض وتقاسم المصالح، بينما يتبنى في ملف مياه النيل مقاربة مختلفة تقوم على أولوية المصلحة الوطنية الإثيوبية، حتى عندما تمس الحقوق التاريخية والمصالح المائية لدولتي المصب. وهذا التباين يكشف أن الدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق حسابات مصالحها الوطنية، وأن المبادئ القانونية كثيراً ما تُستدعى أو تُغيَّب بحسب ما يخدم تلك المصالح. ومن هنا، فإن على السودان أن يتعامل مع محيطه الإقليمي بالمنطق ذاته؛ منطلقاً من تعريف واضح لمصالحه الوطنية، لا من ردود الأفعال أو الحسابات الآنية.
وفي المسار المقابل، تشكل تقارب متنامٍ بين مصر وإريتريا والصومال، وتكرس في القمة الثلاثية التي استضافتها أسمرة في 10 أكتوبر 2024م، بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإريتري إسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. وأكدت القمة دعم مؤسسات الدولة الصومالية، وتعزيز قدرات الجيش الصومالي على حماية حدوده البرية والبحرية، والتنسيق بشأن أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، واحترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها.
وجاء اجتماع القاهرة في 19 يوليو 2026م امتداداً لهذا المسار، إذ جمعت مباحثات رفيعة المستوى وزراء خارجية مصر وإريتريا والصومال، بمشاركة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية. وتركزت المناقشات على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ودعم سيادة الصومال، وتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي لمنع تحول التنافس على الموانئ والمنافذ البحرية إلى صراع يهدد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ويؤكد هذا الحراك حقيقة استراتيجية كثيراً ما تغيب عن النقاش السوداني، وهي أن أمن البحر الأحمر لم يعد مسؤولية كل دولة بمفردها، وإنما أصبح منظومة إقليمية تتقاطع فيها مصالح الدول المشاطئة. فالسعودية ومصر والسودان والأردن وإريتريا وجيبوتي واليمن، إضافة إلى الصومال في مدخل باب المندب، تمتلك جميعها مصلحة مباشرة في بقاء البحر الأحمر ممراً آمناً للتجارة العالمية بعيداً عن الصراعات العسكرية ومحاولات فرض الأمر الواقع. ومن هنا، فإن أي تغيير في موازين السيطرة أو النفوذ أو الوجود العسكري في أحد أجزاء هذا الممر الحيوي ينعكس تلقائياً على بقية الدول، وهو ما يفسر تعدد المبادرات والتحالفات والاجتماعات التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
إن البحر الأحمر لم يعد يمثل حدوداً للدول الساحلية، بل أصبح فضاءً استراتيجياً مشتركاً، وأي فراغ في أحد أجزائه سرعان ما تملؤه قوى إقليمية أو دولية، وهو ما يضاعف مسؤولية الدول المشاطئة في بناء رؤية جماعية تحافظ على أمنه واستقراره.
ولعل أهم ما ينبغي إدراكه هو أن مستقبل البحر الأحمر لن تصنعه دولة واحدة، وإنما ستحدده معادلة دقيقة تقوم على التوازن بين المصالح الوطنية للدول الساحلية، واحترام القانون الدولي، وضمان حرية الملاحة، ومنع تحويل الموانئ والسواحل إلى أدوات للصراع الدولي. ولذلك فإن غياب السودان عن هذه المعادلة لا يعني فقط خسارة فرصة دبلوماسية، وإنما يعني أيضاً تراجع قدرة الدولة على التأثير في القرارات التي تمس أمنها القومي بصورة مباشرة.
وسط هذه التحركات يبرز السؤال السوداني الكبير: أين السودان من الترتيبات التي تُصاغ حول بحره وسواحله ومجاله الحيوي؟
يمتلك السودان ساحلاً يمتد لأكثر من ثمانمائة كيلومتر، وموانئ قادرة، إذا أُحسن تطويرها، على خدمة السودان ودول الجوار الحبيسة، كما يقع في نقطة اتصال بين البحر الأحمر ووادي النيل والقرن الأفريقي ووسط القارة. وترتبط أهمية السودان الاستراتيجية أساساً بموقعه البحري، وبقدرته على التحول إلى مركز للموانئ والنقل والطاقة والتجارة والأمن البحري. ولعل من الخطأ النظر إلى الحرب السودانية باعتبارها صراعاً داخلياً معزولاً؛ فهي تدور في دولة يشكل موقعها على البحر الأحمر أحد أهم عناصر قيمتها الجيوسياسية، الأمر الذي يجعل مستقبل السودان جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بأمن الممرات البحرية، وتوازنات القرن الأفريقي، وإعادة توزيع النفوذ في الإقليم.
غير أن السودان لم يبلور، حتى الآن، رؤية وطنية متكاملة تجاه البحر الأحمر تحدد مصالحه، ومخاطره، وتحالفاته، وحدود التعاون مع القوى الإقليمية والدولية. وتتعامل مؤسسات الدولة غالباً مع البحر الأحمر باعتباره نطاقاً جغرافياً أو ملفاً للموانئ والنقل، بينما أصبح في حسابات الدول الأخرى قضية أمن قومي، ومجالاً لبناء القواعد، وتشكيل التحالفات، والتحكم في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
لا يجوز أن تتحول الحرب، مهما بلغت تكلفتها وخطورتها، إلى سبب لتعطيل التفكير في الملفات الاستراتيجية الكبرى. فإدارة الحرب واجب، لكن إدارة المستقبل واجب لا يقل أهمية عنها. فالدولة التي تنشغل بمعركتها الداخلية وتغيب عن محيطها قد تكتشف بعد انتهاء الحرب أن الآخرين قد أعادوا رسم التوازنات من حولها، وحددوا لها موقعاً لا يتناسب مع مصالحها أو وزنها الحقيقي.
ولذلك، فإن الحاجة لم تعد تقتصر على إدارة الملفات البحرية داخل المؤسسات التقليدية، وإنما تستدعي إنشاء مجلس وطني أعلى أو آلية وطنية عليا لأمن البحر الأحمر، يتولى رسم السياسات الاستراتيجية للدولة تجاه هذا الفضاء الحيوي، ويضمن تكامل الأدوار بين مؤسسات الأمن والدبلوماسية والاقتصاد والنقل والاستثمار والبحث العلمي.
وتمثل في هذه الآلية وزارات الخارجية والدفاع والداخلية والمالية والنقل والطاقة، والأجهزة الأمنية، وحكومات الولايات الساحلية، والجامعات ومراكز الدراسات والخبراء. كما تتولى إعداد استراتيجية قومية تحدد موقف السودان من القواعد العسكرية الأجنبية، وأمن الموانئ، وحماية السواحل، والاستثمار البحري، والتحالفات الإقليمية، وربط الموانئ السودانية بدول الجوار، والمشاركة الفاعلة في جميع المبادرات الخاصة بالبحر الأحمر.
كما يتعين على السودان تنشيط دبلوماسيته تجاه مصر والسعودية وإريتريا والصومال وجيبوتي وتركيا، وبناء شراكات تحقق المصالح المشتركة وتحفظ استقلال القرار الوطني، مع التأكيد أن أمن البحر الأحمر يجب أن تقوده دوله الساحلية، وأن السودان ليس ممراً هامشياً في هذه المعادلة، وإنما ركيزة أساسية في استقرارها.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح أحد أهم مسارح إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. فالمنافسة اليوم لا تدور حول الموانئ وحدها، وإنما حول النفوذ السياسي، وسلاسل الإمداد العالمية، والطاقة، والقواعد العسكرية، والربط اللوجستي، والمشروعات الاقتصادية العابرة للحدود. ومن يقرأ هذه التحولات بعقلية إدارة الموانئ فقط، سيفوته إدراك أن الصراع الحقيقي يدور حول هندسة النظام الإقليمي القادم.
إن السودان ليس دولة تطل على البحر الأحمر فحسب، بل هو أحد المفاتيح الرئيسية لاستقرار هذا الإقليم بأكمله. وإذا كانت الدول الأخرى قد بدأت تبني استراتيجياتها وتحالفاتها انطلاقاً من أهمية هذا البحر، فإن أقل ما ينبغي على السودان أن يفعله هو الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، ومن إدارة الأزمات اليومية إلى صناعة الرؤية الاستراتيجية. فالدول لا تحفظ مكانتها بما تملكه من جغرافيا فقط، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الجغرافيا إلى نفوذ، وإلى مصالح، وإلى حضور فاعل في صناعة مستقبل الإقليم. وما لم يحدث ذلك، فإن السودان قد يجد نفسه، مرة أخرى، خارج الطاولة التي يُعاد فوقها رسم مستقبل البحر الذي يشكل أحد أهم مصادر قوته ومكانته الاستراتيجية.
الثلاثاء 21 يوليو 2026م
