سياج الوطن ودموع الذاكرة: حين تحدث التاريخ بلا حشو
سياج الوطن ودموع الذاكرة: حين تحدث التاريخ بلا حشو
بقلم: محمد سيد
(سيدونيات)
المواقف لا تتجزأ ولا تنفصل عن بعضها البعض؛ فهذا الوطن المكلوم يضعنا اليوم أمام محكٍ تاريخي يحتم على كل وطني حرٍ وأبيٍ أن يعمل سوياً لصيانة ما تبقى من سياج هذه الأرض الطيبة، ولحراسة ما تبقى من ترابها الطاهر. لقد ذاق الشعب السوداني الأمرين، ودفع فاتورة باهظة لـحربٍ أشعلتها أطراف سياسية ركضت خلف اتفاقاتٍ ومشاريع إطارية أفرزت شيطاناً توهم أنه قوة خارقة لا تُهزم. لكن إرادة الله سبحانه وتعالى كانت الأقوى، فزلزلت ذلك الفرعون الجديد الذي طغى وتكبر، وتماهى بافتخارٍ أعمى مع جنوده المرتزقة الذين استجلبهم من أصقاع صحاري وفيافي غرب إفريقيا.
ما فعلته هذه المليشيا في السودان يعجز القلم عن وصفه؛ جرائم وفظائع ما أنزل الله بها من سلطان، ارتكبت بمساعدة قيادات سياسية بلا وزن ولا طعم ولا رائحة، سوى رائحة النتانة والعمالة والتلذذ بالوحل في مستنقعات الخيانة.
وفي خضم هذا الركام، تقفز إلى الذكرى قصص موجعة تكاد توقف اللسان عن النطق؛ كقصة تلك الأسرة السودانية التي فقدت الأم والأب، وفقدت الابن الذي كان “حالة خاصة” من الطهر والبراءة، جرى اعتقاله بلا ذنب سوى تهمة “الفلول” التي أصبحت شماعة لتعليق أبشع الجرائم. فكم فقدنا من هؤلاء الأبرياء؟ وكم أُزهقت من أرواحٍ طاهرة لحرائر هذا الشعب العظيم؟
اليوم، ونحن نتأمل المشهد، يبرز السؤال الملح: هل هذا الوطن الباقي يسعنا ويسع من جلبوا الخراب؟ إن على القيادات التي تتسنم المشهد اليوم مراجعة مواقفها؛ فعلى الرغم من التضحيات جسام، نرى تنازلات لا تفسير لها ولا مبرر لها. كيف لمن سرق بيوتنا، وأقلق منامنا، وطردنا من ديارنا أن يجد موطئ قدم للتسامح المفرط؟
نحن لم نكن مجرد “لاجئين”، بل نحن “مطرودون” بقوة السلاح. والدليل الشاخص أن عناصر المليشيا كانت تقتحم الأحياء، فإذا وجدت سكاناً لم يغادروا، استبقتهم بالتهديد: “لماذا لم تخرجوا؟ أنتم فلول، وإن لم تتركوا البيوت فسوف نقتلكم!”. وهنا يتردد في الآذان قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
يا أهل السودان، إننا لن ندفع الفاتورة مرتين؛ فعلينا اليوم قبل غدٍ اليقظة التامة، وتنشئة أبنائنا تنشئة وطنية خالصة، نعلمهم فيها كيف يحبون هذه الأرض ويذودون عن حماها. إن التتار الجدد موجودون بيننا، يتحينون لحظة الانقضاض مرة أخرى إن غفلنا. ومن هنا نرسل رسالة واضحة ببث الوعي وعدم نسيان المرارات؛ فمن نسى مرارة الأمس استباح دروب الهلاك غداً. متى ما تذكرنا القهر والمرارة، سنغلق كافة المنافذ التي تقود إلى المحرقة من جديد.
كم وكم دفع هذا الشعب من أرواح وأموال وممتلكات؟ لقد فقد شعبنا كفاح وعمر ثلاثين، وأربعين، وخمسين عاماً من الشقاء والاغتراب والكد لتحسين أوضاع أسرهم، وفي لمح بصر، قامت هذه المليشيا بتبديده وسلبه. وعندما تطوف اليوم على بعض المناطق، ترى خرابا ممنهجا لا يحتمل؛ خرابا طال كل شيء: سرقة منظمة تتبعها نيران تأكل الحصاد والعمر. ماذا نسمي هذا؟ أهو سرقة فحسب؟ بل هو إجرام مركب يجمع بين النهب والإحراق الممنهج.
إنها صرخة ضمير، وتذكرة لكل حرٍ أبيٍ: لا تنازل عن الحق، ولا تسامح مع من دمر الدار وشرد العباد.
