من أعلى المنصة | ياسر الفادني
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
في الهلالية… حتي البكاء مات من شدة الوجع
في الهلالية لا أحد يروي الحكاية كاملة… لأن الألم يقطع الكلام قبل نهايته
هناك، كل ناجٍ يحمل مقبرةً في صدره، وكل بيتٍ يفتح بابه للحزن قبل الضيوف
الهلالية ليست مدينةً مرت عليها الحرب فقط، بل مدينةٌ عبرت فوقها القيامة!
مدينةٌ ما زالت الأرض فيها تحفظ رائحة الدم، وما زالت الجدران ترتجف من أصوات الذين سقطوا فجأةً بلا ذنب، بلا رحمة، بلا شفقة
حين صمت العالم عن أكبر مجزرة ارتكبها الأوباش في الجزيرة، كانت الهلالية تنزف وحدها،
ستة آلاف مسلح دخلوها بقلوبٍ نزعت منها الرحمة، وعيونٍ لا ترى سوى الموت، وأصابع تضغط الزناد كما لو أنها تمارس لعبةً قذرة
قتلوا الناس برصاص الغدر، وبالسم، وبالخوف، وبالحصار، حتى صار الموت في الهلالية يأتي من كل اتجاه
هناك أمٌّ فقدت خمسةً من أبنائها دفعةً واحدة…
أي قلبٍ هذا الذي يبقى حيًا بعد ذلك؟
وأي ليلٍ يمكن أن يمر على امرأةٍ دفنت أبناءها بيديها ثم عادت إلى بيتٍ صار أكثر اتساعًا من شدة الفراغ؟
في الهلالية، كل شارعٍ يبكي.
كل منزلٍ يحمل صورة شهيد،
كل طفلٍ هناك كبر عشرات السنين في ليلةٍ واحدة
المقابر على أطراف المدينة ليست صامتة كما يظن الناس…
هي تتكلم ، تحكي عن الجثث التي جاءت بلا أسماء، وعن الأمهات اللواتي بكين حتى جفّت الدموع، وعن الآباء الذين انكسروا وهم يحاولون التماسك أمام من تبقى من أبنائهم
الأكثر قسوةً من المجزرة نفسها… أن العالم شاهدها ثم أدار وجهه ، رأى الدم، وسمع الصراخ، وشاهد التوثيق بأعين القتلة أنفسهم، ثم مضى كأن شيئًا لم يكن
وكأن أرواح أهل الهلالية أقل قيمةً من أن يُنتصر لها
لكننا لن ننسى….
لن ننسى لأن الذاكرة الحقيقية لا تسقط بالتقادم ….لن ننسى لأن الدم الذي سال هناك لم يجف بعد في قلوب الناس….
لن ننسى لأن الحزن الذي يسكن الهلالية أكبر من أن تخفيه الأيام
يا أيها العالم…
في الهلالية جريمةٌ ارتُكبت مع سبق الإصرار والترصد،
جريمةٌ لو حدثت في مكانٍ آخر لاهتزت لها العواصم والمنابر والشاشات ، لكن الهلالية تُركت وحدها تواجه الموت، ثم تُركت وحدها تبكي
فإن كان هذا العالم قد اعتاد الصمت أمام المذابح، فإن التاريخ لن يصمت.
سيكتب يومًا أن مدينةً اسمها الهلالية ذُبحت في وضح النهار، وأن العالم كان يتفرج
إني من منصتي انظر …. ولأهل الهلالية اقول:
أنتم لستم وحدكم…
فالوجع الذي في صدوركم صار وجع وطنٍ كامل،
والدم الذي سقط هناك… صار دينًا في رقبة الزمن…تبا لمن فعلوا.
