صفٌ واحد… لوأد خطاب الكراهية
تحت شعار: سودانا بلمّنا
بقلم 🖊️الصديق أبو أواب
في اللحظات التي تتكاثر فيها الجراح، ويعلو فيها ضجيج البنادق على صوت العقل، يصبح الوطن في حاجة إلى كلمةٍ تشبه الماء في زمن العطش، لا إلى خطابٍ يصب الزيت على النار. والسودان اليوم يقف عند أخطر مفترق في تاريخه الحديث؛ فإما أن ينتصر لصوته الوطني الجامع، أو يترك المساحات لخطاب الكراهية حتى يلتهم ما تبقى من الروح السودانية. لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تبدأ دائماً بالرصاص، بل كثيراً ما تبدأ بكلمةٍ حاقدة، وإشاعةٍ مسمومة، وتحريضٍ يُقسِّم الناس إلى معسكرات متناحرة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية الآن ليست فقط معركة ميدان، بل معركة وعي وأخلاق ومسؤولية وطنية. لأن “النار البتقدح في بيت جارك… الليلة بكرة تصل بيتك”.
لقد عرف السودان عبر تاريخه الطويل معنى التعايش قبل أن تُكتب عنه الكتب وتُعقد له المؤتمرات. ففي الحِلّة السودانية كان الناس يختلفون في القبائل واللهجات والألوان، لكنهم يجتمعون وقت الشدة كما يجتمع الساق على الساق. لم يكن السوداني يسأل جاره: من أي قبيلة أنت؟ بل كان يسأله: “مالك يا زول؟”. تلك هي الروح التي حمت البلاد لعقود طويلة، وهي ذات الروح التي يحاول خطاب الكراهية اغتيالها اليوم. فكل منشور يحرض، وكل تسجيل يبث السموم، وكل ناشط يغذي الأحقاد، إنما يضع حجراً جديداً في جدار الانقسام. والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا توجد قبيلة ستربح إذا خسر السودان، ولا جهة ستنجو إذا احترق الوطن كله. فالبلد “زي المركب… إن غرقت ما بتسأل الغرقان منو”.
إن المسؤولية اليوم تقع أولاً على قادة الرأي والإعلاميين والناشطين وكل من يملك منصة أو تأثيراً. فالكلمة لم تعد مجرد رأي عابر، بل أصبحت سلاحاً قد يبني أمة أو يهدم مجتمعاً كاملاً. وما أخطر أن يتحول بعض أبناء الوطن إلى أبواق للفتنة وهم يظنون أنهم يمارسون حرية التعبير. إن حرية التعبير لا تعني حرية تمزيق المجتمع، ولا تعني تحويل الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية. فالوطن لا يُبنى بالصراخ، ولا تُصنع الدول بالانتقام. ومن الحكمة السودانية العميقة قولهم: “اللسان ما فيه عضم… لكن بكسر الضهر”. لذلك فإن أعظم بطولة الآن هي أن تنتصر للكلمة الطيبة، وأن تُطفئ نار الفتنة قبل أن تكبر، وأن تدرك أن الوطن أكبر من غضب اللحظة وأوسع من ضيق الانتماءات الصغيرة.
وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من الاستقطاب، بل مشروعاً أخلاقياً يعيد ترميم الإنسان السوداني من الداخل. مشروع يبدأ من الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والجامعة، والإعلام، ومن صفحات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحات حرب موازية. نحن بحاجة إلى ثقافة تقول للناس إن الاختلاف لا يعني العداء، وإن التنوع ليس لعنة بل مصدر قوة. فالسودان لم يكن يوماً بلداً بلونٍ واحد، بل كان دائماً وطناً يشبه النيل؛ تتعدد روافده لكن المصب واحد. وكل محاولة لزرع الكراهية بين مكوناته ليست سوى طعنة في صدر الوطن نفسه. ومن يفكر أنه ينجو بإشعال الفتن، كمن “يقطع الغصن القاعد فوقو”.
ولهذا فإن اللحظة الحالية تتطلب اصطفافاً وطنياً حقيقياً تحت شعار: سودانا بلمّنا. لا كشعارٍ عاطفي يُرفع في المناسبات، بل كعقيدة نجاة ومسؤولية تاريخية. فإما أن ينتصر السودانيون لصوت الحكمة، أو يتركوا أبناءهم يرثون بلداً ممزقاً بالكراهية والشكوك. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا وقت الفتنة، ولا الذين أشعلوها ثم ادعوا البراءة منها. السودان الآن لا يحتاج إلى من يوسع الجراح، بل إلى رجال ونساء يضمدونها، ويعيدون للناس الثقة في بعضهم البعض. لأن الوطن حين يسقط لا يسأل أبناءه عن مواقفهم السياسية… بل يسقط فوق الجميع. وسيكتب التاريخ أن الذين أنقذوا السودان لم يكونوا فقط حملة السلاح، بل أيضاً حملة الوعي والكلمة والمسؤولية. وأن الشعب الذي عرف معنى “النفير” قادرٌ كذلك أن يصنع أكبر نفيرٍ وطني لوأد خطاب الكراهية… قبل فوات الأوان.

