مقالات

د. حيدر البدري… يكتب في نقطة سطر جديد.. ندم حمدوك، وإبرة البرهان

بواسطة: شاهد عيان مايو 9, 2026
حيدر البدري

د. حيدر البدري… يكتب في نقطة سطر جديد..
ندم حمدوك، وإبرة البرهان.

لم تكن الفترة التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 مجرد مرحلة انتقالية عادية في تاريخ السودان؛ بل كانت لحظة نادرة اجتمع فيها التوافق الدولي غير المسبوق مع التفويض الشعبي العارم. لأول مرة منذ عقود، وجد السودان نافذة مفتوحة على المستقبل، كان يمكن لها أن تكون بوابة للديمقراطية والاستقرار والبناء. لكن الذي حدث كان أمراً مختلفاً، حيث تفرغت القيادات الحزبية، المنضوية تحت راية “قوى الحرية والتغيير” (قحت) بمسمياتها المتعددة (التجمع، الكتلة، صمود)، لتصفية حسابات قديمة مع رموز النظام السابق، وأدارت ظهرها لاستحقاقات بناء الدولة. إنه باختصار، سجل حافل بإضاعة أعظم فرصة سنحت للسودان في تاريخه الحديث.
يجسد عبد الله حمدوك الوجه الأكثر مأساوية لهذه الفرصة الضائعة. فالرجل الذي جاء من أروقة الأمم المتحدة محمولاً على أكتاف الجماهير، ووجد تأييداً ضخماً من الداخل والخارج، كان يمكن له أن يكون بطلاً قومياً لو امتلك الجرأة والحنكة السياسية. لقد كان حمدوك، بشهادات قريبة منه، أسير رؤية ضيقة اختزلت مشكلة السودان المعقدة في “معادلة اقتصادية” بحتة، فركز على استرضاء المؤسسات المالية الدولية وإزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب، بينما أهمل “السياسي الداخلي” الذي كان يغلي تحت السطح.
رغم البداية المبشرة، ظهر تهميش دوره بوضوح حين قاد غيره الوفد الحكومي في مفاوضات سلام جوبا الحاسمة، وتكشفت هشاشته عندما عجز عن تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة يتفق عليها الجميع. انتهى الأمر بالرجل الذي كان يُفترض أن يكون قائد المرحلة، محاصراً بين انقسامات حاضنته السياسية وصراعات العسكر، ليقدم استقالته في يناير 2022 تاركاً خلفه فراغاً قاتلاً.
لعل أكثر ما يثير الأسى في تجربة “قحت” هو تلك النزعة الانتقامية الصبيانية التي هيمنت على أدائها. فعوضاً عن طي صفحة الماضي بحكمة، سقطت القوى المدنية في فخ “التشفي” المنظم من
“الكيزان” (الإسلاميين). فالقيادات الحزبية تفرغت لتصفية حساباتها القديمة مع رموز النظام، وعملت بأسلوب الإقصاء بدلاً من صياغة مشروع وطني جامع. هذا النهج الإقصائي لم يخلق أعداءً لدودين فحسب، بل دفع المكونات المستبعدة إلى ألمقاومة ، الامر الذي أدى لإجهاض التحول المدني برمته. من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها حكومة الفترة الانتقالية السابقة هي تغييب مبدأ العدالة والاستعاضة عنه بسيف الشرعية الثورية… وهو نفس السيف القذر الذي استخدمه اسلافهم.. والنتيجة كانت مأساوية فبدلاً من بناء نظام ديمقراطي قوي، أعادت “قحت” إنتاج أسوأ الممارسات التي ثارت ضدها، مما أفقدها المصداقية الأخلاقية شيئاً فشيئاً.
منذ اللحظة الأولى، انكشف ضعف التحالف أمام لعبة الكراسي والمعادلات الحزبية. فشلت قوى الحرية والتغيير في الحفاظ على تحالفها، وفشلت حكومتهم في إكمال الفترة الانتقالية. تصدع بيتهم الداخلي كان سمة لازمتهم منذ البداية، حيث تحولت الحكومة عملياً إلى ساحة “محاصصات سياسية وجهوية حملت بذرة فشلها” منذ اليوم الأول.
وبدلاً من بناء مؤسسات دولة قوية تمنع الانزلاق إلى الهاوية، أدى بهم ضيق الأفق إلى رفع شعارات أصبحت نذير شؤم، مثل شعار “إما الإطاري وإما الحرب” في إشارة إلى خلافهم حول الاتفاق الإطاري. لقد كشف هذا الشعار، أكثر من أي شيء آخر، عن فقدانهم للبوصلة؛ إذ راهنوا بكل شيء على صراعات النفوذ، متجاهلين أن الحرب الأهلية هي الثمن الذي يمكن أن يدفعه السودانيون من دمائهم.
عندما أطاح البرهان بهم في 25 أكتوبر 2021. اطاح بآخر أوراق التجربة المدنية، كانت “قحت” وحمدوك قد استنفدا كل رصيدهما. لقد أضاعوا وقتهم في معارك هامشية، وتركوا السودان لرياح الانقلابات والعنف. واليوم، وبينما يحصد السودانيون مرارة حرب ضروس، يقف الجميع على حقيقة واحدة: وهي أن القوى التي كان يفترض أن تقود “التغيير”، هي من مهدت الطريق، بغفلتها وصراعاتها، وغبائها وجهلها السياسي لإضاعة السودان. لقد كانت أمامهم فرصة تاريخية لكتابة مستقبل جديد، لكنهم اختاروا أن يكتبوا شهادة وفاة لتجربتهم السياسية بأنفسهم..
سرقوا احلام الشباب.. والنتيجة ماثلةِ
نقطة سطر جديد..