نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب : إفشاء الأسرار العسكرية جهلاً لا بطولة وتضحية بالأمن القومي مجاناً
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الجبهات وتتعاظم فيه التحديات الأمنية والعسكرية بات من المؤسف أن تتحول المعلومات العسكرية البحتة إلى مادة إعلامية تُنشر على الملأ دون وعي أو إدراك لعواقبها الخطيرة معلومات تتعلق بتحركات القوات وأنواع الأسلحة وخطط الانتشار وترتيبات الانقضاض تُنشر تحت لافتة السبق الصحفي أو الحصرية الإعلامية وكأنها أخبار رياضية أو تقارير فنية.
إن ما يُنشر اليوم من تفاصيل دقيقة حول العمليات العسكرية لا يخدم سوى العدو بل يُعد بمثابة هدية مجانية تُقدم له على طبق من ذهب ليعيد ترتيب أوراقه ويُحصن مواقعه ويُفشل الخطط ويُجهض المفاجآت العسكرية التي بُنيت على السرية والمباغتة والتمويه وهي عناصر حاسمة في أي معركة.
إن التعامل مع المعلومات العسكرية يجب أن يكون بمنتهى الحساسية والوعي والمسؤولية فهي ليست مادة للتداول العام ولا موضوعاً للنقاش المفتوح ولا مجالاً للمزايدة الإعلامية بل هي شأن سيادي خالص لا يحق لأحد الخوض فيه إلا من أوكلت إليهم الدولة هذه المهمة من ضباط ومخططين ومحللين عسكريين يعملون في صمت ويضحون في الخفاء من أجل أن ينام المواطن آمناً مطمئناً.
إن ما يحدث من تسريب أو تداول أو تحليل غير مسؤول للمعلومات العسكرية يُعد خرقاً للأمن القومي وخيانة غير مقصودة قد تكون نتائجها كارثية على الأرواح والمقدرات والسيادة الوطنية فالحروب لا تُخاض فقط بالسلاح بل بالمعلومة أيضاً والمعلومة حين تُفقد أو تُباع أو تُنشر دون ضوابط تصبح سلاحاً في يد العدو أخطر من المدفع والدبابة والطائرة.
ولذلك فإن رفع الحس الأمني بات ضرورة وطنية لا ترفاً فكرياً يجب أن يُدرّس في المدارس ويُدرّب عليه الصحفيون ويُوعّى به المواطنون يجب أن يدرك الجميع أن الأمن مسؤولية جماعية وأن كل كلمة تُقال أو تُكتب أو تُنشر قد تكون سبباً في إنقاذ حياة أو إزهاقها في تحقيق نصر أو التسبب في هزيمة.
وعلى الصحفيين والإعلاميين أن يدركوا أن السبق الصحفي لا يُبرر المساس بالأمن القومي وأن الحرية الإعلامية لا تعني الفوضى المعلوماتية وأن المهنية تقتضي التحقق والتريث والالتزام بالضوابط الوطنية لا الانسياق وراء الإثارة أو اللهاث خلف التفاعل الرقمي على حساب المصلحة العليا للوطن.
وعلى المواطنين أن يعلموا أن إعادة نشر أو تداول المعلومات العسكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المجالس العامة أو حتى الأحاديث العابرة قد يُعد مشاركة غير مباشرة في الإضرار بالوطن وأن الصمت في مثل هذه الحالات ليس جبناً بل حكمة وأن كتمان الأسرار العسكرية ليس تواطؤاً بل وطنية.
ولذلك فليُترك الشأن العسكري للعسكريين والخبز لخبازه وليتفرغ كل منا لمجاله الذي يُجيده ويُبدع فيه فالجندي في ميدانه والإعلامي في قلمه والمواطن في موقعه كلهم شركاء في حماية الوطن كلهم جنود في معركة الوعي كلهم مسؤولون أمام الله والتاريخ عن كل ما يُقال ويُكتب ويُذاع
إننا في مرحلة لا تحتمل العبث ولا التهاون ولا الجهل ولا التبرع المجاني بالمعلومات الحساسة فكل كلمة محسوبة وكل معلومة مرصودة وكل تسريب مراقب وكل خطأ يُدفع ثمنه من دماء الأبرياء ومن أمن الوطن واستقراره.
فلنكن على قدر المسؤولية ولنجعل من وعينا سلاحاً ومن صمتنا حصناً ومن انضباطنا درعاً ولنعلم أن الوطن لا يُحمى فقط بالبندقية بل يُحمى أيضاً بالكلمة المسؤولة والموقف النبيل والضمير الحي.
فليكن شعارنا دائماً لا للمساس بالأمن القومي لا للتبرع بالمعلومات العسكرية لا للعبث بمقدرات الوطن نعم للوعي والانضباط والمسؤولية الوطنية في كل كلمة وفي كل موقف وفي كل لحظة.
meehad74@gmail.com
