غزوة المحوّلات الكهربائية… حين يعجز السلاح عن مواجهة الرجال فيخاصم المصابيح!
شاهد عيان
نوفمبر 6, 2026
د. زكي محمد البشير
أيها الرعديد، يا من ضاقت بك ساحات الوغى فاتسعت أمامك محطات الكهرباء، ويا من أعيتك مواجهة الرجال فاستأسدت على الأسلاك والمحولات، هنيئاً لك هذا الفتح المبين، وذلك النصر العظيم!
لقد دخلت التاريخ من أوسع أبواب السخرية، لا فاتحاً لمدينة، ولا محرراً لأرض، ولا حامياً لإنسان، بل فارساً مغواراً في معركة ضد المصابيح، وقائداً مظفراً في حرب على مراوح السقوف وثلاجات المطابخ!
فيا للهول من بطولة، ويا للعجب من رجولة، ويا لبؤس نصرٍ يُقاس بعدد البيوت التي أُغرقت في الظلام!
أبشر أيها الرعديد، فقد هزمت المروحة، وأسكتَّ الثلاجة، وأرعبت مضخة المياه، وأعلنت انتصارك الساحق على مصباح يتيم كان يؤنس طفلاً في عتمة الليل!
ولكن أخبرني، وقد بلغتَ هذه المرتبة الرفيعة من العبقرية العسكرية: هل سلّمت لك محطات الكهرباء مفاتيحها؟ وهل وقّعت المحولات وثيقة الاستسلام؟ وهل رفعت أعمدة الإنارة الرايات البيضاء؟
أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إفلاساً في الميدان، وانكساراً في الوجدان، وعجزاً عن مواجهة الإنسان؟
حين يصبح الضوء عدواً!
ما أغرب هذا الزمان!
كنا نسمع عن حروب تُخاض من أجل الأرض، فإذا بنا أمام حرب يُراد لها أن تُخاض ضد الضوء!
وكنا نقرأ عن جيوش تتقدم نحو المدن، فإذا بنا أمام مشهد تُستهدف فيه شرايين الحياة التي تُبقي المدن صالحة للسكن.
وكنا نظن أن البطولة حماية الضعفاء، فإذا بالضعفاء يدفعون ثمن صراع لم يختاروه، ويُطلب منهم أن يصبروا على ظلام الليل وظمأ النهار!
والمفارقة أن هذا العبث يأتي في وقت تتطلع فيه آلاف الأسر السودانية إلى العودة الطوعية إلى ديارها، بعد أن أنهكها النزوح، وأتعبتها الغربة، وأضناها الحنين.
فهل يُراد لاستهداف محطات الطاقة أن يتحول إلى قفل جديد على أبواب العودة؟
وهل يُراد أن تصبح الكهرباء سلاحاً لتعطيل الاستقرار، والمياه وسيلة لإطالة النزوح، والخدمات الأساسية رهينة في حسابات الحرب؟
إن صح ذلك، فنحن أمام فكرٍ لا يرى في الوطن إلا أرضاً للسيطرة، ولا يرى في المواطن إلا ورقة للضغط، ولا يرى في العمران إلا هدفاً قابلاً للتدمير!
يا لها من عبقرية عسكرية!
تخيّلوا معي مشهد الاحتفال بهذا النصر المزعوم!
قائد يتلقى تقريراً عاجلاً:
سيدي، لقد توقفت محطة الكهرباء!
فيجيب منتشياً:
وماذا عن العدو؟
فيأتيه الرد:
العدو يا سيدي طفل كان يذاكر دروسه، ومريض ينتظر العلاج، وأمّ تحفظ طعام أطفالها في ثلاجة!
فيهتف القائد:
إذن فقد تحقق النصر الاستراتيجي!
يا لها من مهزلة لو لم تكن مأساة، ويا لها من نكتة سوداء لو لم تكن دمعة حمراء!
فما أسهل الانتصار على المصباح، وما أصعب الانتصار على ضمير حي!
وما أيسر تعطيل محطة، وما أعسر بناء دولة!
وما أسرع هدم ما شيّدته أجيال، وما أطول الطريق إلى إصلاح ما أفسدته الحرب!
العودة إلى الديار… كابوس من يخشى السلام
إن عودة السودانيين إلى بيوتهم ليست مجرد حركة انتقال من مكان إلى آخر؛ إنها عودة الحياة إلى شرايين الوطن.
هي عودة الأم إلى مطبخها، والأب إلى متجره، والطفل إلى مدرسته، والمزارع إلى حقله، والعامل إلى مصنعه.
هي عودة الأذان إلى مآذن الأحياء، والضحكات إلى أفنية المنازل، والحركة إلى الأسواق، والأمل إلى النفوس.
ولذلك فإن كل اعتداء يعطل الخدمات الضرورية للحياة يضع عقبة جديدة أمام هذه العودة.
غير أن من يراهن على الظلام لإبقاء السودانيين بعيداً عن ديارهم، يجهل حقيقة هذا الشعب.
فالسوداني الذي خرج من بيته تحت وطأة الحرب لم يخرج من ذاكرته، والذي ترك أرضه لم يترك انتماءه، والذي ابتعد عن حيه لم ينسَ الطريق إليه.
يمكنك أن تقطع التيار، ولكنك لا تستطيع أن تقطع الحنين.
ويمكنك أن تعطل المحطة، ولكنك لا تستطيع أن تعطل الذاكرة.
ويمكنك أن تُظلم الشوارع، ولكنك لن تُظلم الطريق إلى الوطن في قلوب أبنائه.
أيها الرعديد… هل تنام قرير العين؟
هل تنام وحرارة الصيف تلهب أجساد الأطفال؟
هل تنام ومضخات المياه صامتة، والبيوت تنتظر قطرة تروي الظمأ؟
هل تنام ومريض في مستشفى يخشى انقطاع خدمة يعتمد عليها بقاؤه؟
هل تنام وأمٌّ سودانية تقف أمام باب دارها، تحلم بالعودة، وتخشى أن تجد مدينتها بلا ماء ولا كهرباء؟
ثم بأي منطق يُقال إن حرمان المدنيين من الخدمات انتصار؟
وأي بطولة تلك التي يكون فيها الخصم محوّلاً كهربائياً، والغنيمة مدينة مظلمة، والضحية شعباً أنهكته الحرب؟
إن الحرب مهما اشتدت لا تمنح أحداً رخصة مفتوحة للعبث بحياة المدنيين، ولا تُسقط واجب حماية المنشآت المدنية والخدمات الضرورية لبقاء السكان.
فليست كل قدرة على التدمير دليلاً على القوة، وليست كل ضربة تُوجَّه إلى منشأة نصراً عسكرياً مشروعاً.
فكم من منتصرٍ على الجدران مهزومٍ أمام التاريخ، وكم من قادرٍ على الإطفاء عاجزٍ عن إشعال شمعة في ضمير!
السودان لا يُهزم بإطفاء مصباح
أيها الرعديد…
لقد أخطأت الحساب، وأسأت التقدير، وجهلت طبيعة هذا الشعب.
فالسودان ليس شبكة كهرباء تنتهي بانقطاع التيار، وليس محطة توليد يتوقف وجودها بتعطل محركاتها.
السودان وطن يسكن وجدان الملايين.
هو النيل حين يجري، والنخيل حين يسمو، والحقول حين تخضر، والقرى حين تتعانق، والبيوت حين تفتح أبوابها للضيف والغريب.
هو أم درمان بتاريخها، والخرطوم بذاكرتها، وبحري بأهلها، والفاشر بصبرها، والجزيرة بعطائها، وسنار بعمقها، وكردفان بشموخها، ودارفور بأصالتها، وشرق السودان بكرمه، وشماله بعراقته.
وهو قبل ذلك كله إنسان سوداني يستحق الحياة والكرامة والأمن والسلام.
ولذلك فإن إعادة بناء محطات الطاقة والمياه والمستشفيات والمدارس ليست مجرد مشروعات إعمار، بل معركة وطنية من أجل استعادة الحياة.
معركة ينبغي أن تتقدم فيها إرادة البناء على نزعة الهدم، وأن تتوحد فيها الجهود لحماية المدنيين وتمكين النازحين من العودة الآمنة والكريمة والطوعية.
وسيأتي الصباح… ولو كره الظلام!
أيها الرعديد…
لا تفرح كثيراً بصمت المحطات؛ فإن الصمت ليس موتاً.
ولا تبتهج بطول الظلام؛ فإن الليل مهما استطال لا يستطيع اعتقال الفجر.
ولا تظن أن إطفاء الكهرباء يعني إطفاء السودان؛ فالأوطان العظيمة لا تُختزل في أسلاك، ولا تُختطف بمحولات، ولا تُدفن تحت ركام المنشآت.
ستُصلح المحطات، وستعود المياه، وستُضاء الشوارع، وستفتح المدارس أبوابها، وستدور المصانع، وستعود الأسر إلى بيوتها متى توفرت لها شروط الأمن والحياة الكريمة.
وسيكتب التاريخ أسماء الذين عمّروا، كما سيحفظ أفعال الذين دمّروا.
وسيعرف السودانيون الفرق بين من حمل مصباحاً ليبدد الظلام، ومن حمل معولاً ليهدم أسباب الحياة.
أما أنت، يا من خُيّل إليك أن انتصارك يبدأ حين تنطفئ أنوار البيوت، فاعلم أن الشمس لا تُهزم بقطع الأسلاك، وأن الفجر لا يحتاج إلى إذن من حراس الظلام!
وختاماً…
أظمأتَ نهاري، وأظلمتَ ليلي، وأرهقتَ أطفالي، وعطّلتَ أسباب عيشي؛ ولكنك لن تطفئ جذوة الأمل في صدري، ولن تنتزع حب الوطن من قلبي.
فإن كنتَ قد انتصرتَ على محطة كهرباء، فمتى تنتصر على عجزك عن بناء محطة؟
وإن كنتَ قد أطفأتَ مصباحاً، فمتى تضيء شمعة؟
وإن كنتَ قد أغرقتَ مدينة في الظلام، فبأي وجه ستحدث أبناءها عن مستقبل مشرق؟
ويبقى السؤال الذي لا تُسقطه الأيام، ولا تُسكته المدافع، ولا تمحوه الأعذار:
أظمأتَ نهاري وأظلمتَ ليلي أيها الرعديد… فهل تنام قرير العين؟
فالتاريخ لا يصفق لمن أطفأ الأنوار، وإنما يخلّد من أعاد إليها الحياة.
