3 نوفمبر
عاجل
قرار إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا وطرد دبلوماسييها محاولة إثيوبية لحماية عبدالرحيم دقلو وطمس أدلة تورطها في الحرب •قيادة قوات القبة تنفي علاقتها بتشكيل «درع الغرب» وتؤكد تبعيتها للقوات المسلحة •مصدر إعلامي : استهداف المليشيا لخط أنابيب البترول في ” هيا” استفزاز مُتعمد لجر الجيش السوداني لحرب إقليمية مع إثيوبيا •إستخبارات المليشيا في غرب دارفور تلجأ لخداع المستنفرين “أبناء القبائل” بالدولارات المُزيفة وتعتقل العشرات منهم بعد إحتجاجهم •منظمات حقوقية دولية تطالب بفتح سجون المليشيا في نيالا أمام لجنة تقصي الحقائق وآل دقلو يرفضون •قائد ميداني “يشكي” من ضربات الجيش ويقول انها منعتهم من تدريب مُجندين جُدد في صفوف المليشيا •مصادر دبلوماسية : جهود دولية وإقليمية للوساطة بين السودان وإثيوبيا بهدف خفض التصعيد والتوتر •فيل الباشا •أثيوبيا أمام مجلسي الأمن الدولي والإفريقي •تنوير الخارجية لامس جوهر القضية •

الشباب استنفروا لمعركة التحرير فتدافعوا للشهادة .. فمتى يستنفروا لمعارك التعمير ؟

شاهد عيان نوفمبر 2, 2026
شارك الخبر:

السفير: رشاد فراج الطيب
ما شهده السودان جراء الحرب والعدوان الذي استهدف أرضه وشعبه ومؤسساته ومقدراته ، من قتل ودمار وتهجير وتجريف ممنهج لمقومات الدولة والحياة ، يمثل واحدة من أكبر الكوارث التي عرفتها بلادنا في تاريخها الحديث ، وربما من أوسع عمليات التدمير التي تعرض لها بلد في المنطقة خلال العقود الأخيرة .
حيث لم يقتصر العدوان على استهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية ، وإنما امتدت آثاره إلى المدن والقرى والمنازل والمصانع والمستشفيات والمدارس ومرافق الخدمات ، وإلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة والمجتمع .
وفي خضم هذه المحنة ، سجل الشباب السوداني موقفاً وطنياً استثنائياً ، حينما استجابوا لنداء الاستنفار ، وتسابقوا إلى ميادين القتال ، والتحقوا بصفوف القوات المسلحة دفاعاً عن الأرض والعرض ، وإسهاماً في تحرير المدن واستعادة مؤسسات الدولة وسيادتها .
لقد كان مشهد اندفاع هؤلاء الشباب ، بما حمله من تجرد واستعداد للتضحية ، مدعاة للإعجاب والتقدير والاحترام من العالم ، ودليلاً على أن في هذا الوطن طاقات كامنة وإرادة وطنية لا تنكسر أمام المحن والتحديات .
ولكن ، إذا كان هؤلاء الشباب قد لبوا نداء الوطن في معركة التحرير والفداء ، فإن الوطن اليوم يناديهم مجدداً لخوض معركة لا تقل أهمية ولا خطورة ؛ إنها معركة التعمير والبناء واستعادة الحياة .
فحجم الدمار هائل ولايوصف ، ومهمة إعادة بناء ما تهدم لا تستطيع الحكومة وحدها النهوض بها ، وإنما تحتاج إلى سواعد وطاقات وعقول جميع أبناء السودان بلا تمييز ، وفي مقدمتهم الشباب ، بما يمتلكونه من حيوية وحماسة وحب للوطن واستعداد للبذل والعطاء والتجرد من المصالح الذاتية .
وليس الشباب السوداني غريباً عن ميادين البناء والإنجاز .
فقد كانوا في مراحل سابقة عقولاً وسواعد وراء مشروعات استخراج النفط ، وبناء أبراج الطاقة والكهرباء ، وتشييد السدود ، وإنجاح ثورة التعليم والتوسع في مؤسساته ، كما شاركوا في بناء الصناعات العسكرية والدفاعية ، وأسهموا في إقامة المشروعات الزراعية وشركات زادنا ، وصناعة السيارات ، وأبراج الاتصالات ، وغيرها من المشروعات الإنتاجية والخدمية التي شهدتها البلاد .
إن البلاد اليوم بحاجة إلى استعادة هذه الروح ، وإطلاق مشروع وطني قومي للتعمير والنهضة ، يقوده الشباب ويشارك فيه الجميع .
فلا نهضة بلا شباب ، ولا إعمار بلا طاقات منتجة ، ولا مستقبل لدولة تعطل قدرات أجيالها وتغلق أمامهم أبواب المبادرة والإبداع .
المطلوب أن نفسح الطريق للشباب ، وأن نمنحهم الثقة والمسؤولية ، وأن ننتقل من ثقافة الانتظار والبيروقراطية إلى ثقافة المبادرة والإنجاز .
لقد آن الأوان لأن نسابق الزمن : يد على الزناد تحمي الوطن ، ويد تبني وتعمر وتعيد الحياة . وهذه ليست معادلة متعارضة ، بل مسؤولية وطنية متكاملة تفرضها طبيعة المرحلة .
فحشد الإرادة الوطنية ينبغي أن يتحول إلى برنامج عمل واضح ، تضع الدولة خطته الشاملة ، وتستنفر من خلاله الشباب ، وتوفر لهم الإمكانات والأدوات والتمويل والفرص وحرية الحركة والإبداع ، وتزيل ما يعترض طريقهم من عقبات إدارية وإجرائية . كما يتطلب ذلك تغييراً حقيقياً في أساليب التفكير والعمل ، وتحرير مؤسسات الدولة من الجمود والبروقراطية ، وجعل معيار النجاح هو ما يتحقق على الأرض من إنجاز وإنتاج وخدمة للمواطن .
ولا ينبغي أن يقتصر الاستنفار على مؤسسات الدولة وحدها ؛ فالأحزاب والحركات السياسية والمكونات الاجتماعية والمنظمات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بتوجيه قواعدها وأنصارها إلى ميادين البناء والتعمير ، وتقديم العون والمواساة والإسناد للمتضررين من الحرب .
فالمجالات واسعة ، والاحتياجات كثيرة ، وينبغي أن يكون التنافس الحقيقي بين القوى والمكونات الوطنية في تضميد جراح الوطن ، ومواساة المستضعفين من النساء والأطفال والأسر محدودة الدخل ، ورعاية أسر الشهداء والجرحى والمفقودين والأسرى ، والمساهمة في إعادة الخدمات وتأهيل المدارس والمستشفيات والمرافق العامة .
وعلى الدولة أن تقدر البذل والعطاء ، وتشجع المبادرات المجتمعية ، وتيسر للناس سبل العيش الكريم ، وتزيل من أمامهم المعوقات التي تحول دون العمل والإنتاج والاستثمار .
فالمواطن الذي صمد في وجه الحرب يستحق أن يجد دولة تسانده ، لا أن يواجه بعد الحرب حروباً أخرى من التعقيدات والرسوم والفساد وسوء الإدارة .
ولا بد من إعلان برنامج وطني متكامل لإعادة الإعمار والبناء والنهضة ، محدد الأولويات والمراحل والمسؤوليات ، تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع والشباب .
وفي المقابل ، فإن مسؤولية القيادة تقتضي أن تكون قيادات الدولة هي الأسوة والقدوة في التفاني والإخلاص ونكران الذات ، وأن تقدم للشباب والشعب نموذجاً في النزاهة والانضباط وتحمل المسؤولية .
كما تقتضي فرض سيادة القانون والحزم في مواجهة كل من يتآمر مع الأعداء ، أو يخون وطنه وجيشه ، أو يعبث بقوت الشعب ومقدرات البلاد ، من مخربين وتجار أزمات ومحتكرين ومتهربين من مسؤولياتهم الوطنية .
فمعركة التعمير لا تقل أهمية عن معركة التحرير ،
ويجب أن ندرك ، حكاماً ومحكومين ، أن المخاطر والمؤامرات التي تستهدف السودان لن تنته بانتهاء معركة أو تحرير مدينة ، فهناك أطماع في موارده وخيراته وموقعه الجغرافي ودوره الحيوي ، وهناك من لا يريد لهذه الحرب أن تتوقف ، ولا لهذه الدولة أن تستعيد قوتها وعافيتها ، ومن يراهن على إطالة أمد العدوان وإضعاف مؤسسات البلاد ، أملاً في العودة إلى مقاعد السلطة عبر التدخلات الخارجية أو فرض الإرادات على الشعب السوداني .
ولكن هيهات أن يكون الوطن غنيمة لغازٍ أو طامع أو خائن ، أو أن تتحول تضحيات أبنائه إلى جسر لتحقيق مطامع الآخرين .
إن استعادة الدولة لا تكتمل بمجرد تحرير الأرض ، وإنما تكتمل ببناء مؤسساتها ، وإعمار مدنها ، وإنعاش اقتصادها ، وتحقيق العدل والكرامة لمواطنيها .
كما أن شرعية الحكم ومستقبل البلاد ينبغي أن يستندا إلى إرادة الشعب ، فهو مصدر السلطات وصاحب الحق الأصيل ، بعد الله سبحانه وتعالى ، في اختيار من يحكمه وتفويضه وانتخابه ومحاسبته .
لقد أثبت شباب السودان أنهم لا يتأخرون عن نداء الوطن حين تستدعيهم الواجبات والتضحيات .
واليوم ، فإن الوفاء الحقيقي لتضحياتهم لا يكون بمجرد الاحتفاء ببطولاتهم ، وإنما بإشراكهم في صناعة المستقبل ، وفتح أبواب الدولة والاقتصاد والإنتاج أمامهم .
لقد استنفرتم الشباب لمعركة التحرير فتسابقوا للشهادة.. فاستنفروهم اليوم لمعركة التعمير ، وافسحوا لهم الطريق ليصنعوا المستقبل ؛ فالأوطان لا تتحرر بالسلاح وحده ، وإنما تحيا وتنهض بسواعد أبنائها وعقولهم وإرادتهم نحو البناء والنهضة .

مواضيع ذات صلة