9 سبتمبر

ياسر محمد محمود يكتب: الأخطاء الإملائية بين أروقة القضــاء وأزمــة التعلــيم

شاهد عيان سبتمبر 9, 2026
شارك الخبر:
تكتسب الكلمة في محراب العدالة وزناً يقاس بمصائر الناس وحقوقهم فحرف واحد ينقص أو يزيد في حكُم قضائى أو مذكرة قانونية قد يغير مجرى العدالة برمتها من هنا تنبع خطورة ما كشف عنه البروفيسور حيدر أحمد دفع الله رئيس القضاء الأسبق، في كتابه (تسبيب الأحكام) الصادر عام ٢٠١٦ عندما نبه إلى وجود أخطاء إملائية فادحة بين السادة القضاة ووكلاء النيابة والمحامين داعياً وزارة التربية والتعليم إلى ضرورة مراجعة أوضاعها فوراً وتجلت هذه القضية المؤرقة مجدداً مع اعتماد نتيجة الشهادة السودانية يوم أمس الإثنين من قبل رئيس الوزراء كامل إدريس توطئة لإعلانها الرسمى يوم غدٍ الأربعاء إن هذا الحدث السنوى المفصلى لم يعد يثير القلق بشأن نسب النجاح والرسوب فحسب بل يفتح الباب واسعاً لمراجعة جودة المنتج التعليمى بعد أن أصبحت الأخطاء الإملائية واللغوية للأسف هى الأصل الشائع والأساس المتفشى بين الطلاب والخريجين على حد سواء
*وصرخة التحذير التى أطلقها رئيس القضاء الأسبق قبل أعوام لم تكن مجرد ملاحظة عابرة على هامش الممارسة القضائية بل كانت تشخيصاً دقيقاً لخلل بنيوى يهدد رصانة المؤسسات العدلية عندما تسلُم المنصة القضائية أو مذكرات النيابة والدفاع من سلامة اللغة فإن ذلك لا يمس الجانب الجمالى للنص فحسب بل يضعف من هيبة التسبيب القانونى ويؤثر سلباً على صياغة الأحكام والقرارات التى تمس حريات الناس وأموالهم وعلى الرغم من أن البروفيسور حيدر رمى الكرة بوضوح في ملعب وزارة التربية والتعليم لمراجعة مناهجها وأساليبها إلا أن واقع المنظومة التعليمية يشير إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر فالأخطاء الإملائية لم تعد تقتصر على مدارج المحاكم وفصول الدراسة بل تعدتها لتشمل جيل المربين أنفسهم حيث يقع قطاع غير قليل من المعلمين فى ذات الأخطاء البديهية التى تشوه كتابات طلابهم.
*ولو امتلك الموجهون التربويون الأمانة المهنية والأكاديمية الكافية لكاشفوا الرأى العام بما كتبه رئيس القضاء الأسبق ولكانوا أول المطالبين بوقفة تصحيحية جادة إن الصمت على هذا التراجع اللغوى المريع يشكل تواطؤاً غير مباشر فى تزييف المخرجات التعليمية وترحيل الأزمة من مرحلة دراسية إلى أخرى حتى تصل إلى أعلى الهياكل المهنية والتنفيذية في الدولة وتبقى أزمة اللغة الإملائية ليست مجرد ضعف فى حفظ قواعد الهمزات أو التاء المربوطة والمفتوحة بل هى انعكاس مباشر لتراجع قدرات التحصيل وغياب القراءة الجادة وضعف التأسيس فى المراحل المدرسية الأولى وما يشهده قطاع القانون اليوم ليس سوى رأس جبل الجليد لخريجين يلتحقون بكافة القطاعات المهنية وهم يفتقرون لأبجديات التواصل الكتابى السليم.
*إن الدولة السودانية مطالبة اليوم وقبل الغد بمراجعة شاملة للأنظمة التعليمية والمناهج الدراسية وإعادة الاعتبار للغة العربية كوعاء فكرى وحضارى قبل أن تكون مادة دراسية والاستمرار فى تجاهل هذا الخلل يعنى استنساخ أجيال متعاقبة تحمل شهادات عليا دون امتلاك أدوات الكتابة والتعبير الأساسية مما يفرغ العملية التعليمية برمتها من مضمونها الجوهرى ولعل أخطر ما يواجه هذا الملف هو التعامل مع التدهور اللغوى بأسلوب المسكنات أو الرهان على قدرة الطالب على تصحيح مساره تلقائياً فى مراحل لاحقة إن ترك الطالب ينتقل من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل بنفس حصيلته الركيكة هو تجسيد حى لتكريس الأخطاء وتحويلها إلى ظاهرة عامة تتلاشى معها معايير الجودة والتميز.
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
إن إصلاح هذا المسار يبدأ من المدارس وأكاديميات التأهيل عبر تدريب المعلمين وتفعيل دور التوجيه التربوى الصارم وفرض الاختبارات اللغوية كشرط أساسى للتخرج ولشغل الوظائف العامة خاصة في القطاعات الحساسة كالقضاء والنيابة والتعليم فاللغة السليمة هى المظهر الأول للانضباط المهنى والدقة الفكرية*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
إن إعلان نتيجة الشهادة السودانية يجب أن يكون نقطة انطلاق لتقييم حقيقى لا يكتفى بالأرقام والنسب المئوية بل يبحث فى جوهر ما يمتلكه الطالب من مهارات حقيقية مع الوضع فى الإعتبار إن العدالة والتعليم ينبعان من مشكاة واحدة عنوانها الدقة والمسؤولية والبدء فى تصحيح المسار اللغوى اليوم هو الحصن الوحيد لحماية مؤسسات الدولة وهيبتها في المستقبل

مواضيع ذات صلة