تكامل مؤسسي وحقوقي بين الخرطوم وجدة
شاهد عيان
أغسطس 21, 2026
د. إسماعيل الحكيم
تكامل مؤسسي وحقوقي بين الخرطوم وجدة
إن تكاثر التحديات التي تمس الإنسان السوداني في أمنه وكرامته وحقوقه الأساسية، تجعل الشراكات المؤسسية الرصينة جسوراً تُبنى فوق أوجاع الواقع، لتصل بالحق إلى من يحتاجه، وبصوت الضحايا إلى المنابر القادرة على الإصغاء والتأثير.
ومن هذا المنطلق، يكتسب التعاون والتنسيق بين المفوضية القومية لحقوق الإنسان في السودان والهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استثنائية؛ لأنه يفتح نافذة واسعة لتبادل الخبرات والتجارب، وإعداد الدراسات والبحوث، وتطوير برامج التدريب وبناء القدرات، وتعزيز آليات الرصد والتوثيق، وتوسيع مجالات التعاون الدولي في القضايا الحقوقية ذات الاهتمام المشترك.
فالهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان هي إحدى الأجهزة الرئيسية في منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة موزعة على أربع قارات، وتعمل الهيئة بوصفها هيئة خبراء استشارية لمجلس وزراء الخارجية، وقد تأسست عام 2011، وتضم 18 خبيراً يمثلون ثلاث مجموعات جغرافية، وتمارس اختصاصاتها باستقلالية وموضوعية، مستندة إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع استحضار قيم العدل والمساواة والكرامة الإنسانية في المنظور الإسلامي. ويقع مقر أمانتها في جدة بالمملكة العربية السعودية.
ومن هنا تحديداً تتجاوز العلاقة بين المؤسستين حدود التعاون الفني إلى فضاء أرحب ألا وهو فضاء بناء القدرة السودانية على حماية حقوق الإنسان، وإنتاج المعرفة الحقوقية، وتوثيق الانتهاكات، وإيصال الصورة الحقيقية إلى الدوائر الإقليمية والدولية. فالهيئة نفسها تضع ضمن أهدافها إجراء الدراسات والبحوث، وتقديم المشورة، وتعزيز التعاون الفني وبناء القدرات والشراكات.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى مثل هذا الحضور المؤسسي. فالحالة الراهنة لا تحتاج إلى خطابات عاطفية بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف ترصد، وكيف توثق، وكيف تدرس، وكيف تقدم الملفات بلغة قانونية ومهنية تجعل الحقيقة أكثر قدرة على الوصول إلى العالم. ولذلك فإن تطوير آليات الرصد والتوثيق والتدريب وبناء القدرات ليس شأناً إدارياً ثانوياً، إنما ضرورة وطنية وحقوقية.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذا التعاون أيضاً في ضوء مجلس التنسيق المشترك بين السودان والمملكة العربية السعودية، الذي يمثل إطاراً أوسع لترسيخ العلاقات السودانية السعودية وتحويلها من علاقات تاريخية راسخة إلى شراكات مؤسسية متعددة المجالات. وقد جرى الاتفاق على إنشاء المجلس في مارس 2025 بهدف إضفاء طابع مؤسسي على التعاون بين البلدين، قبل إعادة تشكيله في يناير 2026.
وهنا تبدو الصورة أكثر اكتمالاً حيث مجلس التنسيق يفتح الأبواب للعلاقة الاستراتيجية بين الخرطوم والرياض، والتعاون الحقوقي بين المفوضية السودانية والهيئة الدائمة المستقلة ليملأ أحد أهم هذه الأبواب بمضمون إنساني ومؤسسي. فحقوق الإنسان ليست جزيرة منفصلة عن السياسة والتنمية وإعادة الإعمار، إنما هي أحد أعمدة الدولة الحديثة، وأحد مقاييس قدرتها على حماية مواطنيها واستعادة عافيتها بعد الأزمات.
ولأن جدة ليست عنواناً جغرافياً لهذا التعاون فحسب ، فإن وجود مقر الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان فيها يمنح العلاقة بعداً إضافياً؛ إذ تصبح السعودية مساحةً مؤسسية تلتقي فيها الخبرة الإسلامية والدولية مع الاحتياج السوداني، في إطار علاقات أخوية أوسع أكدتها اللقاءات الرسمية بين قيادتي البلدين، والتي تناولت في أبريل 2026 مستجدات السودان، مع التشديد على أمنه واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه.
إن أجمل ما في هذا المسار أنه لا يبحث عن اختصار الطريق، ولكن عن فتح كل الطرق الممكنة لخدمة الإنسان السوداني: طريق التدريب، وطريق البحث، وطريق التوثيق، وطريق الشراكة، وطريق التعاون الدولي. وكل باب يُفتح أمام المؤسسات الحقوقية السودانية هو نافذة جديدة يمكن أن تدخل منها الحقيقة، وكل خبرة تُنقل، وكل قدرة تُبنى، وكل ملف يُوثق بصورة مهنية، هو لبنة في بناء دولة الحقوق والقانون.
وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الشعب السوداني واضحة: حقوقكم ليست متروكة للصدفة، وقضاياكم ليست بلا أبواب، ومؤسساتكم تستطيع أن تطرق أبواب الإقليم والعالم حين تمتلك الأدوات والمعرفة والشراكات.
وهذا هو المعنى الأعمق للتنسيق بين الخرطوم وجدة؛ أن يتحول التعاون من مجرد لقاءات إلى عمل، ومن العمل إلى قدرة، ومن القدرة إلى أثر، ومن الأثر إلى طمأنينة يشعر بها المواطن بأن كرامته وحقوقه تجد من يحرسها، ويرصد ما يمسها، ويوثق ما ينتهكها، ويطرق كل باب يمكن أن يقود إلى إنصافها.
فحين تتكامل المؤسسات، تتسع مساحة الحق؛ وحين تتلاقى الخبرات، يصبح صوت الإنسان أكثر حضوراً؛ وحين تلتقي الخرطوم بجدة في ميدان الحقوق، فإن السودان لا يطلب امتيازاً، وإنما يفتح طريقاً جديداً لحماية الإنسان وصون كرامته وبناء مستقبله.
