21 أغسطس

دكتور جاد الله فضل المولي يكتب: الفجر آت لامحالة

شاهد عيان أغسطس 21, 2026
شارك الخبر:

نقطة ارتكاز

دقت ساعة الحسمِ ودقت ساعة العملِ ودقت ساعة المواجهةِ التي طال انتظارها. لقد اقترب وعد اللهِ وقربت ساعة النصرِ بحولهِ وقوتهِ، فما عاد الليل يطيق الصبر على نورٍ قادمٍ، وما عاد الظلم يملك من العمرِ ما يخفي بهِ قبحه. لقد بلغت البلاد مداها في الابتلاءِ وبلغ الصبر منتهاه، وها هي الأمة تقف على عتبةِ فجرٍ جديدٍ لن يوقفه باطلٌ مهما علا صوتهُ ولن يطفئه دخانٌ مهما كثف سواده.

إن مليشيات الدعم السريع التي ظنت أنها قادرةٌ على خطف وطنٍ كاملٍ في غفلةٍ من الزمنِ، وأنها قادرةٌ على كسر إرادة شعبٍ سقى أرضهُ بدمائهِ عبر تاريخهِ، قد أخطأت التقدير حساباً وأخطأت الواقع فهماً. لقد حسبت أن الرعب وسيلةٌ، وأن الترويع منهجٌ، وأن القتل مشروعٌ، فنسيت أن للشعوب ذاكرةً وأن للأوطان درعاً وأن لله جنداً لا يُهزمون. لقد طال الليل حقاً واشتدت الظلمةُ وبلغت القلوب الحناجر، ولكن في قمة الظلامِ يولد الفجر وفي قمة المحنةِ تولد المنحة وفي قمة الأزمةِ تفرج الكربة.

إن ما يحدث اليوم ليس معركةً بين قوةٍ وأخرى، وإنما هو امتحان وجودٍ بين مشروع وطنٍ ومشروع فوضى، بين راية دولةٍ وراية عصاباتٍ، بين حلم أجيالٍ وطمع مغامرين. لقد حاولت هذه المليشيات أن تمسح هوية العاصمةِ وأن تحول الشوارع إلى ثكناتٍ وأن تحول البيوت إلى متارس، ولكنها لم تفهم أن السودان لا يُحكم بالرصاصِ ولا يُدار بالنهبِ ولا يُبنى على جماجم الأبرياء. لقد خرج المواطن من تحت الأنقاضِ أقوى، وخرج الجندي من بين الدخانِ أثبت، وخرجت الدولة من بين الركامِ أكثر إصراراً على البقاء.

إن ساعة العملِ قد بدأت فعلاً، وساعة البناءِ قد أزف أوانها، وساعة الحسابِ قد اقتربت خطواتها. فكل يومٍ يمر هو يومٌ تقترب فيه هذه المليشيات من الزوالِ، وكل ساعةٍ تمضي هي ساعةٌ تتآكل فيها أسطورةٌ زائفةٌ صنعتها الدعايةُ وسندتها الأموال. إن الزوال قادمٌ لا محالة، لأن الباطل ساعةٌ وللحقِ جولات، ولأن التاريخ لا يرحم من رفع السلاح في وجه شعبهِ، ولأن الأرض تلفظ من يدنسها وتطرد من يخونها.

إن شعبنا اليوم يعيش لحظة فارقةً في تاريخه، لحظةٌ يختلط فيها الألم بالأمل، والدم بالدموع، والصبر باليقين. ولكن وسط كل هذا الخرابِ هناك يقينٌ راسخٌ لا يتزحزح: أن هذا الوطن لن يسقط، وأن هذه الدولة لن تموت، وأن هذا الشعب لن يُهزم. لقد علمتنا التجارب أن السودان حين يضيق به الخناقِ يتنفس من جديد، وحين يشتد عليه الحصارِ يخرج منتصراً، وحين يظن الأعداء أنهم قضوا عليه يقوم من رمادهِ طائراً عنيداً.

إن النصر ليس مجرد هزيمة عسكريةٍ في ميدانٍ، وإنما هو انتصار إرادةٍ على خوف، وانتصار حقٍ على باطل، وانتصار مستقبلٍ على ماضٍ مظلم. والنصر قادمٌ بإذن اللهِ لأنه وعدٌ إلهيٌ ولأنه قانونٌ تاريخيٌ ولأنه حتميةٌ جغرافية. فلا يمكن لعاصمةٍ أن تبقى رهينةً، ولا يمكن لولايةٍ أن تبقى سجينةً، ولا يمكن لشعبٍ أن يبقى تحت رحمةِ من لا رحمة في قلبهِ.

أيها المواطنون إن المرحلة القادمة مرحلة عملٍ ومرحلة صبرٍ ومرحلة اصطفاف. المطلوب منا أن نثبت، وأن نصمد، وأن نصدق أنفسنا أولاً قبل أن نصدق النصر. فالنصر لا يأتي بالتمني وإنما يأتي بالعرق، ولا يأتي بالشعارات وإنما يأتي بالتضحيات، ولا يأتي بالكلام وإنما يأتي بالدم الذي سال دفاعاً عن الأرض والعرض.

إن الفجر الذي ننتظره ليس مجرد ضوءٍ يبدد العتمة، وإنما هو دولةٌ تعود، ومؤسساتٌ تنهض، ومدارسٌ تفتح، ومصانعٌ تدور، وحقولٌ تخضر. الفجر هو أن يعود الطفل إلى مدرستهِ آمناً، وأن تعود الأم إلى بيتها مطمئنةً، وأن يعود الجندي إلى ثكنتهِ مرفوع الرأس. الفجر هو أن نطوي صفحة المليشيات إلى الأبد وأن نكتب على صفحات التاريخ أن السودان انتصر لأنه يستحق أن ينتصر.

لقد طال الليل نعم، ولكن الليل مهما طال فلابد له من آخر. ومهما اشتدت العاصفة فلابد لها من سكون. ومهما علا صوت البندقية فلابد لصوت الحق أن يعلو. وها نحن نسمع اليوم قرع طبول النصرِ من بعيد، وها نحن نرى خيوط الفجرِ تتسلل من بين السحب، وها نحن نشم رائحة الحريةِ قادمةً مع نسمات الصباح.

فأبشروا فإن الوعد قريبٌ، وأبشروا فإن النصر آتٍ، وأبشروا فإن مليشيات الدعم السريع إلى الزوالِ مهما تجبرت ومهما طغت. فالتاريخ لا يكتب أسماء المعتدين بحروفٍ من نورٍ وإنما يرمي بهم في مزبلته. أما السودان فسيبقى، وسيظل، وسيعود أقوى مما كان، وأعظم مما تصورنا، وأبهى مما حلمنا.

مواضيع ذات صلة