من أعلي المنصة | ياسر الفادني
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
القنطور أصله تراب !
هناك قاعدة أصبحت محفوظة في المشهد السوداني: كلما انهزمت المليشيا في الميدان، انتصرت فجأة في هواتف بعض النشطاء! وما إن تتساقط مواقعها العسكرية حتى تتكاثر الهاشتاقات كما يتكاثر الذباب حول الجيف، وكأن الهزيمة تحتاج إلى (ترند)! حتى تخفي رائحتها
هذه ليست مصادفة، وإنما أصبح سلوكاً متكرراً ، عندما تخسر المليشيا مدينة أو محوراً أو قوة مقاتلة، تبدأ فوراً ماكينة الضجيج الإلكتروني في العمل، حسابات متشابهة، ووسوم متطابقة، ومنشورات مكتوبة بالقالب نفسه، وكأن الجميع يقرأ من ورقة واحدة، أو يتلقى التعليمات من غرفة واحدة، فالمعركة التي عجزوا عن كسبها بالبندقية، يحاولون تعويضها بلوحة المفاتيح
المثير للسخرية أن هذه الجوقة لا تتحدث عن أسباب الهزائم، ولا عن الخراب الذي أحدثته المليشيا، ولا عن المدنيين الذين دفعوا الثمن، وإنما تقفز مباشرة إلى معزوفة (الفلول ) وكأن المطلوب معاقبة الدولة لأنها تدافع عن نفسها، بينما يُمنح المعتدي حق التسوق في أسواق التعاطف الدولي
أما (الذباب الإلكتروني) الذي يملأ الفضاء صخباً، فليسوا جميعاً أصحاب قضية، بل بينهم من لا يعرف من السياسة إلا قيمة التحويل المالي الذي ينتظر آخر الشهر، باعة مواقف، وسماسرة شعارات، يغيّرون لافتاتهم كلما تغيّر الممول، اليوم اسم، وغداً اسم آخر، لكن البضاعة واحدة، والمشتري واحد، والهدف واحد: إضعاف الدولة السودانية وخدمة المشروع الذي أشعل الحرب
ومن الطريف أن هذه الجماعات تغيّر أسماءها أكثر مما تغيّر أفكارها، مرة تظهر في ثوب “صمود”، ومرة في ثوب “تأسيس”، ومرة تحت عناوين براقة عن الديمقراطية والسلام والحرية، لكن ما إن تزيل الغلاف حتى تجد المحتوى نفسه: تبرير للمليشيا، وتزييف للوقائع، وتسويق للهزائم باعتبارها انتصارات إعلامية
إني من منصتي أنظر …. حيث أري…. أن الهاشتاق لا يسترد موقعاً عسكرياً، وأن الجيوش لا تُهزم بالمنشورات، وأن الضجيج الإلكتروني مهما ارتفع صوته، يظل عاجزاً أمام حقيقة يكتبها الميدان، فكل حملة تنطلق بعد هزيمة جديدة ليست دليلاً على القوة، وإنما شهادة إضافية على حجم الانكسار
سيظل الذين يراهنون على الخراب يبدّلون أسماءهم وألوانهم وشعاراتهم، لكنهم لن يستطيعوا تغيير حقيقتهم، فالوطن يعرف أبناءه، ويعرف أيضاً تجار الأزمات. أما الذين جعلوا من أوطانهم سلعة، ومن مواقفهم فاتورة تُدفع، فسيكتشفون في نهاية المطاف أن التاريخ لا يحفظ أسماء المرتزقة، وإنما يحفظ فقط أنهم مروا من هنا… ثم ذهبت ريحهم، لأن القنطور… مهما علا، أصله تراب.
