د. وليد جعفر حامد يكتب: كيف تختفي هذه الوجوه؟
المشهد السياسي السوداني الحاضر مليء بالشخصيات المضحكة والغريبة والانتهازية والجاهلة. بعضهم دخل إلى المشهد عبر بوابة التمرد المسلح، وبعضهم حملته العصبيات القبلية، وبعضهم كان امتداداً لنفوذ قديم عرف كيف يبدل جلده كلما تبدلت الأحوال، ووجوه أخرى ظهرت باعتبارها ممثلة للهامش أو المجتمع المدني أو غير ذلك من العناوين البراقة التي أصبحت تُوزع بسخاء أكثر مما تُكتسب بالاستحقاق.
لكن أخطر هذه الوجوه جميعاً هي تلك التي امتطت ظهر الثورة.
فالثورة التي خرج الناس فيها يطلبون دولة أفضل وحياة سياسية أكثر نضجاً وكفاءة، أخرجت إلى الواجهة أناساً ما كان كثير منهم ليجد مكاناً في المشهد العام لولا حجم الفوضى التي اجتاحت البلاد. وفجأة أصبح بيننا خبراء في الاقتصاد لم يديروا مشروعاً ناجحاً، وخبراء في السياسة لم يعرفوا إدارة مؤسسة، ومتحدثون باسم الثورة لم يفوضهم أحد، ومتحدثون باسم الهامش لا يعرفهم أهل الهامش إلا عبر الشاشات.
والمشكلة في كثير من هذه الوجوه ليست نقص الخبرة وحده، بل حالة غريبة من الثقة غير المستندة إلى معرفة أو تجربة. يتحدث أحدهم في شؤون الدولة وكأنه أمضى عمره في إدارتها، ويخوض في الاقتصاد وكأنه بناه، ويقدم وصفات للحرب والسلام وكأنه جرب أعباء أي منهما.
ومع ذلك فإنني كلما نظرت إلى هذا المشهد وجدت نفسي متردداً في تحميل هذه الشخصيات وحدها المسؤولية.
فهؤلاء لم يخرجوا من العدم. لقد أمضت البلاد سنوات طويلة وهي تضعف مؤسساتها، وتخلط بين النفوذ والاستحقاق، وبين الولاء والكفاءة، حتى أصبحت الطريق إلى الواجهة لا تمر دائماً عبر الخبرة أو الإنجاز. ثم جاءت سنوات الثورة والانقسام والحرب، فاتسعت الفجوات أكثر، ووجد كل صاحب طموح أو قبيلة أو منصة إعلامية فرصة لم تكن متاحة له من قبل.
ولهذا فإن ما يحيرني ليس ظهور هذه الوجوه بقدر ما يحيرني غياب غيرها.
فالسودان ليس بلداً فقيراً في العقول ولا في الكفاءات، ومع ذلك بقي كثير من أصحاب الخبرة والمعرفة بعيدين عن المشهد، بينما احتلت الواجهة شخصيات لا تمثل بالضرورة أفضل ما في البلاد.
ولا أستطيع أن أتجاهل دور الإعلام في ذلك. فبعض هذه الشخصيات ما كان لها أن تكتسب هذا الحجم لولا التكرار المستمر، حتى نشأ انطباع مضلل بأن السودان لم يعد يملك غير هذه الأسماء.
ولهذا كلما سألت نفسي كيف تختفي هذه الوجوه، وجدت أن السؤال يقود إلى سؤال آخر أكثر صعوبة.
هل المشكلة في هذه الوجوه نفسها، أم في الفراغ الذي أتاح لها أن تصبح وجوهاً أصلاً؟
لا أملك جواباً كاملاً. لكنني أعرف أن السودان لا يعاني أزمة عقول، وإنما أزمة معايير، وأن اليوم الذي يعود فيه أصحاب الجدارة إلى أماكنهم الطبيعية هو اليوم الذي ستبدأ فيه هذه الظاهرة كلها بالتراجع.
