19 مايو

من أعلي المنصة | ياسر الفادني

شاهد عيان مايو 19, 2026
شارك الخبر:

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

قحاتة مدني !

في مدني، لا تحتاج أن تبحث كثيرًا عن (القحاتي) ، فقط افتح أي مجلس، أو تصفح أي مساحة في الميديا، أو راقب وجوه البعض ساعة انتصار الجيش… ستكتشف أن المسألة لم تعد موقفًا سياسيًا، بل أصبحت حالة نفسية مزمنة تُصيب أصحابها بالحساسية تجاه أي خبر فيه كلمة انتصار!
قحاتة مدني ليسوا نوعًا واحدًا، بل تشكيلة موسمية مثل الفيروسات المتحورة، كل يوم يظهر متحوّر جديد أكثر قدرة على التنظير وأقل قدرة على الفهم

النوع الأول… قحاتي (الواي فاي)
هذا يعيش خارج السودان لكنه يتحدث عن مدني وكأنه عمدة السوق الكبير ، معلوماته تأتيه عبر تسجيلات مشوشة ومقاطع مقصوصة وتعليقات من شاكلة وصلني الآن !
إذا سألته عن الحقيقة قال لك: والله الجماعة قالوا
ومن هم الجماعة؟
لا أحد يعرف!
هذا النوع لا يرى الواقع إلا عبر شاشة مكسورة، لذلك تجده يغضب من أي استقرار ويحزن لأي عودة للحياة، لأن الفوضى بالنسبة له هي المادة الخام للكتابة والنباح الإلكتروني ، إنه مثل الأعمى في زفة المولد… يصفق بحماس لكنه لا يعرف أصل الحكاية

أما النوع الثاني… فهو قحاتي (الكتمان الاستراتيجي) !! .
هذا أخطر من الأول، لأنه يعيش بين الناس ويبتسم للجميع، لكنه حين يسمع بانتصار للقوات المسلحة يصاب بحموضة سياسية حادة، ويبحث فورًا عن أي خبر سلبي ليوازن به ضغطه النفسي
وإذا دخلت المليشيا حيًا أو قرية، تلمع عيناه فجأة كأنما سمع بخبر تعيينه وزيرًا للفرح الداخلي!
هذا لا يحمل سلاحًا، لكنه يحمل شماتة تكفي لإشعال مدينة كاملة ، تراه صامتًا كخشبة مسندة، لكنه في داخله ماكينة تحريض لا تهدأ

النوع الثالث… قحاتي (الخدمة المدنية ) .
دخل الوظيفة العامة أيام الفوضى، فتعامل مع الدولة كأنها غنيمة لا مؤسسة ، إذا ذهبت لاستخراج ورقة، نظر إليك وكأنك تطلب منه قطعة من روحه! ، يعشق التعطيل كما يعشق آخرون القهوة الصباحية ، كل معاملة عنده تحتاج إلى ثلاثة توقيعات، وخمسة أيام، وسبعة أسباب للفشل.
هذا النوع لا يحتاج أن يحمل بندقية… يكفيه ختمٌ حكومي ليعذب المواطنين به صباح مساء

ثم نصل إلى النوع الرابع… وهنا الكارثة الكبرى.
هذا هو قحاتي (أبو الوجهين ) !
يأتيك بثوب الوطنية، ويتحدث عن الجيش بلسان الدعم، لكنه في داخله يحمل كمية من الغبن تكفي لهدم وطن كامل.
إذا جلس مع أهل الدولة قال: نحن مع الاستقرار
وإذا جلس مع خصومها قال: البلد ماشّة للهاوية .
يبدل مواقفه أسرع من تبديل إشارات المرور ، يبتسم في وجهك، لكنه يخبئ خلف الابتسامة خنجرًا من الكراهية السياسية ، هؤلاء جميعًا يشتركون في شيء واحد:
أنهم لا يستطيعون التعايش مع فكرة أن السودان يمكن أن يقف على قدميه دون وصايتهم الفكرية ، يريدون وطنًا هشًا حتى يظلوا خبراء في التحليل، ومواطنًا جائعًا حتى يظلوا نجومًا في المزايدة
إني من منصتي أنظر …. حيث أري… أن الفرق بين الجنجويدي وبين القحاتي … أن الأول يضع الكدمول على رأسه، أما الثاني فيضعه على قلبه.
الأول يهدم بالسلاح، والثاني يهدم بالإحباط والتخذيل والتشكيك وبث السموم ، وكلاهما حين يرى الوطن يتعافى… يشعر بالهزيمة الشخصية.
ولذلك، فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط من يحمل البندقية، بل أيضًا من يحمل عقلًا مأزومًا يرى الخراب انتصارًا، ويرى استقرار البلاد خسارة سياسية له
إنهم جماعة إذا أشرقت الشمس قالوا مؤامرة… وإذا هطل المطر اتهموا السماء بالفلول!
قومٌ أدمنوا المعارضة حتى لو عارضوا الهواء الذي يتنفسونه…. مخطيء من ظن يوما أن للقحاتي دينا !!.

مواضيع ذات صلة