من أعلى المنصة
ياسر الفادني
الزَبَّالِين !
تحت أسقفٍ منخفضة في عواصم تُدار فيها الخيانات بصوتٍ خافت، يتصاعد همسٌ أشبه بأنينٍ مرتبك، يتحدث عن خلافاتٍ بدأت تنخر جسد معسكرٍ لم يقم يومًا على مبدأ، بل على تقاطع المصالح وسرعة البيع والشراء. هناك، حيث تُطبخ المؤامرات ببطء، خرجت حكاية جديدة إلى العلن، تقول إن حوارًا سريًا يدور في الظل بين بقايا قحت بنسختها التي تتبدل كجلد الأفاعي، وبين أطراف في الحكومة السودانية، تمهيدًا لعودةٍ مُعاد تدويرها إلى المشهد السياسي
لكن هذه الرواية، في حقيقتها، لا تعدو أن تكون محاولة بائسة لجس نبض الشارع، اختبارًا لمدى قابلية الناس لابتلاع نفس الوجوه التي لفظها الوعي قبل الشوارع، هي ليست إلا غطاءً هشًا لحالة التآكل التي يعيشونها، بعد أن ضاقت عليهم الدوائر، وتكشفت أوراقهم، وسقطت رهاناتهم تباعًا تحت وقع الضربات التي لم تترك لهم إلا خيار التمسك بوهمٍ جديد، يُسوّق كأنه مخرج، وهو في حقيقته مجرد ستارٍ لستر العجز
هم لا يصنعون حدثًا، بل يهربون من حدثٍ أكبر منهم، يختلقون قصة تقارب، بينما الحقيقة أن بينهم من التناحر ما يكفي لإشعال ألف معركة، صراعهم اليوم ليس مع خصومهم كما يدّعون، بل بينهم وبين بعضهم، صراعٌ مكشوف، تتطاير فيه الاتهامات كما يتطاير الريش في ساحة ديكةٍ فقدت اتجاهها
المشهد كله يُعيد إلى الذاكرة صورة ديكين متقابلين؛ يتقدمان بحذر، ينفخان صدورهما، يصرخان عاليًا، يلوّح كلٌ منهما بأنه الأقوى، ثم يندفعان في اشتباكٍ قصير، عنيف، مليء بالضجيج أكثر من الفعل، لكن النهاية دائمًا واحدة: ما إن يلوح ظل إنسانٍ في الأفق، حتى يهربا معًا، تاركين خلفهما غبار المعركة التي لم تكن يومًا معركة حقيقية
إني من منصتي … أنظر …حيث أقول : هكذا هو حالهم الآن؛ ضجيجٌ بلا مضمون، تصعيدٌ بلا أفق، وحكايات تُروى للاستهلاك لا للتصديق ، أما قصة التقارب التي يروجون لها، فهي ليست أكثر من حلم جائع رأى رغيفًا في المنام، فاستيقظ ليقنع الآخرين أنه قد أكل! .















Leave a Reply