إنّ التصريحات المنسوبة إلى ضاحي خلفان، والتي تزعم وجود “حقّ تاريخي حصري” لليهود في أرض فلسطين، لا يمكن تكييفها بوصفها مجرد “رأي شخصي”، بل تمثّل تبنّيًا صريحًا لرواية صهيونية احتلالية، تتناقض مع حقائق التاريخ، وتتصادم مباشرة مع أحكام القانون الدولي ومرجعيات الشرعية الأممية.
فالقانون الدولي ، كما استقرّ بعد الحرب العالمية الثانية، لا يعترف بالسيادة القائمة على الأساطير التاريخية أو التأويلات الدينية المُسيّسة، وإنما يؤسس الحقوق على مبادئ واضحة، من أهمها:
أن الحق السيادي لا ينشأ بادّعاءات تاريخية انتقائية، بل بالإقامة المشروعة ورضا السكان الأصليين.
أن الاحتلال لا يكتسب شرعية بالتقادم، ولا تُمحى جرائم التهجير القسري والاستيطان بمرور الزمن أو بتصريحات إعلامية.
أن قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها 242 و338، تقرّ صراحة بأن ما وقع عام 1967 هو احتلال عسكري، لا “عودة تاريخية” ولا “تحرير أرض”.
ومن اللافت – بل الدالّ – أن يحظى هذا الخطاب باحتفاءٍ فوري من الحسابات الرسمية الإسرائيلية؛ وهو أمر لا يمكن عزله عن سياقه الوظيفي، إذ يعكس محاولة لتسويق السردية الصهيونية بلسانٍ عربي، في مرحلةٍ فشلت فيها هذه السردية في الصمود أخلاقيًا وقانونيًا أمام الرأي العام العالمي، والجامعات، والمحاكم، ومنظمات حقوق الإنسان.
_خلاصة الموقف
القضية الفلسطينية ليست نزاعًا تاريخيًا ملتبسًا، ولا خلافًا سرديًا بين روايتين متكافئتين، بل هي قضية احتلال واستعمار إحلالي موثّق، قائم على نزع الأرض، وتشريد الشعب، وفرض الأمر الواقع بالقوة.
ومن يساوي بين الجلاد والضحية، أو يمنح السلب شرعية باسم “التاريخ”،_ إنما:
يهدم مرجعية الحق،
ويخدم مشروعًا استعماريًا مرفوضًا قانونًا وضميرًا،
ويقوّض الأسس التي قامت عليها منظومة العدالة الدولية بعد قرنٍ من الحروب.
ويبقى السؤال المؤلم مشروعًا:
كيف لضابطٍ أمنيٍّ رفيع، يُفترض أن يتحلّى بالحياد والنزاهة والعدل، أن ينخرط في خطابٍ سياسي منحاز، يتعارض مع طبيعة العمل الأمني وأخلاقياته؟
إنّ تسييس المنصب، أو السعي إلى نيل الرضا السياسي عبر تبنّي روايات احتلالية، لا يسيء إلى القضية الفلسطينية وحدها، بل يسيء كذلك إلى صورة المؤسّسة الأمنية ومفهومها المهني القائم على العدل لا الاصطفاف.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
والله المستعان،
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.








Leave a Reply