مجلس السلام أم سلام المجالس؟ :قراءة في الفارق بين مبادرة ترامب ونظام الأمم المتحدة
في عالمٍ يتزايد فيه عدد الحروب أكثر من فرص السلام، لم يعد غريبًا أن تظهر مبادرات موازية للمؤسسات الدولية التقليدية، لكن الغريب – بل المقلق – هو أن تُطرح هذه المبادرات بوصفها حلولًا بديلة، لا أدوات مساندة. من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما أُطلق عليه «مجلس السلام» الذي كونه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل إضافة حقيقية لمسار السلام العالمي، أم مجرد تجاوز جديد للنظام الدولي القائم؟
من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في أن الأمم المتحدة تعاني من أزمات عميقة؛ بطء القرار، هيمنة الدول الكبرى، وعجز متكرر عن إيقاف الحروب في فلسطين، السودان، أوكرانيا وغيرها. غير أن فشل المؤسسة لا يعني بالضرورة أن البديل يجب أن يكون مبادرة أحادية الإرادة، تفتقر إلى الشرعية الدولية، وتتمركز السلطة فيها في يد شخص واحد.
الأمم المتحدة، رغم كل عللها، تستند إلى ميثاق دولي وقبول شبه شامل، وتعمل وفق آليات جماعية، ولو شابها الاختلال. أما «مجلس السلام» فينطلق من منطق مختلف تمامًا: سرعة القرار بدل التوافق، الإرادة السياسية بدل القانون الدولي، والنتائج الآنية بدل الاستدامة. وهذا الفارق ليس تقنيًا، بل فلسفيًا.
في إدارة النزاعات، تسعى الأمم المتحدة – نظريًا – لمعالجة الجذور: بناء السلام، المصالحة، إعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية. أما مجلس السلام، كما طُرح، فيبدو أقرب إلى إدارة الأزمات لا حلها، عبر فرض ترتيبات أمنية سريعة، قد تُنهي القتال مؤقتًا، لكنها لا تضمن سلامًا دائمًا. والتاريخ مليء بأمثلة «السلام المفروض» الذي انهار عند أول اختبار.
أحد أخطر الإشكالات في مجلس السلام هو غياب الحياد المؤسسي. فحين تكون القيادة والتمويل والقرار في يد دولة واحدة، يصبح السلام مشروطًا برؤية تلك الدولة ومصالحها. وهذا ما يفسر تحفظ الأوروبيين، ليس لأنهم ضد السلام، بل لأنهم يدركون أن السلام بلا شرعية دولية يتحول إلى أداة نفوذ، لا عقدًا أخلاقيًا بين الشعوب.
الخشية الحقيقية ليست في أن ينافس مجلس السلام الأمم المتحدة، بل في أن يُستخدم لتهميشها، وتكريس منطق «السلام بالصفقات»، حيث تُدار النزاعات كما تُدار الأسواق: من يدفع أكثر يقرر أكثر. وفي هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحتاج إلى مجلس سلام جديد، أم إلى إصلاح جذري للنظام الدولي القائم؟
السلام لا يُبنى بالمجالس وحدها، ولا يُفرض بقرارات فوقية، بل يحتاج إلى شرعية، وعدالة، ومشاركة حقيقية من الشعوب المتأثرة بالنزاع. وأي مبادرة تتجاوز هذه الحقائق، مهما حسنت نواياها، ستظل سلامًا هشًا… قابلًا للانفجار.
فالعالم لا يحتاج إلى سلام سريع فقط،
بل إلى سلام عادل… وقابل للحياة.








Leave a Reply