التدريب الشرطي في زمن الحرب… حين يتقدّم وعي الدولة على شح الموارد ✍️: فريق شرطه حقوقي محمود قسم السيد
في وقتٍ تعصف فيه الحرب بمفاصل الدولة، وتُثقل كاهل المؤسسات بندرة الموارد وتعقيد الواقع، تمضي الشرطة السودانية في مسارٍ لافت يعكس وعيًا مؤسسيًا متقدمًا، عبر الاستمرار في تنفيذ برامج التدريب والتأهيل، باعتبارها ركيزة أساسية لاستدامة الدولة، لا ترفًا إداريًا مؤجلًا لما بعد الأزمات.
ويمثل تخريج دورة أعمال السجل المدني بمعهد تدريب صف الضباط والجنود بشرطة ولاية الخرطوم، نموذجًا عمليًا لهذا التوجه، ورسالة واضحة مفادها أن مؤسسة الشرطة، رغم ظروف الحرب، ما زالت قادرة على التخطيط والتنفيذ، والاستثمار في العنصر البشري بوصفه حجر الزاوية في معادلة الأمن والخدمة العامة.
التدريب كخيار استراتيجي لا يتوقف بالحرب
إن مواصلة التدريب في ظل الحرب ليست خطوة عادية، بل قرار استراتيجي يعكس إدراك القيادة الشرطية، السياسية والتنفيذية، بأن بناء القدرات لا يحتمل التوقف، وأن انهيار التدريب يعني عمليًا تعطيل المستقبل المؤسسي للدولة.
وقد جاء التركيز على أعمال السجل المدني تحديدًا ليؤكد هذا الفهم العميق؛ فإثبات الهُويَّة، وتنظيم البيانات السكانية، وإدارة الأحوال المدنية، ليست مجرد إجراءات خدمية، بل تمثل عمقًا سياديًا وأمنيًا تمس استقرار المجتمع وحفظ الحقوق.
وعي القيادة… حين يتقدم العقل على الإمكانيات
وفي دلالةٍ قاطعة على نجاح البرنامج التدريبي، شهد فعاليات التخريج اللواء شرطة/ عبد الله أبكر آدم، مدير الإدارة العامة، مشيدًا بالمستوى المهني الرفيع للدورة، وانضباطها الدقيق، وتحقيقها نسبة نجاح كاملة بلغت (100٪)، وهو ما يكشف عن وعي قيادي متقدم داخل مؤسسة الشرطة، وقدرتها على الحفاظ على كفاءة الدولة واستمرارية خدماتها الأساسية، حتى في أقسى ظروف الحرب وشح الموارد.
ويؤكد هذا النجاح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قلة الإمكانيات بقدر ما يكمن في غياب الرؤية، وأن المؤسسة التي تمتلك قيادة واعية تستطيع أن تُنجز، ولو بالحد الأدنى من الموارد، ما تعجز عنه مؤسسات مترفة تفتقر للبوصلة.
المواطن في قلب العملية التدريبية
اللافت في هذه الدورة أنها لم تقتصر على الجوانب الفنية البحتة، بل أولت اهتمامًا واضحًا بالبعد الإنساني، من خلال مناهج فن التعامل مع الجمهور، والهوية والشخصية السودانية، ولغة الإشارة والتعامل مع الصم والبكم، وهو ما يعكس إعادة توجيه البوصلة نحو المواطن باعتباره محور العمل الشرطي، حتى في زمن الأزمات.
وهو توجه بالغ الأهمية، لأن الحروب – مهما كانت قسوتها – لا تبرر تراجع جودة الخدمة العامة أو انهيار أخلاقيات التعامل مع المواطنين.
رسائل تتجاوز حدود القاعة
يحمل هذا التخريج عدة رسائل عميقة:
أن مؤسسات الدولة لم تتوقف رغم الحرب
أن الشرطة ما زالت تؤدي دورها كجهاز خدمي وأمني في آنٍ واحد
وأن الإعداد لمرحلة ما بعد الحرب يبدأ الآن لا لاحقًا
فالدول لا تُعاد بناؤها بعد توقف المدافع فقط، بل تُبنى خلال الأزمات، بالعقل، والانضباط، والتدريب.
خلاصة القول
إن استمرار برامج التدريب الشرطي في هذا الظرف الاستثنائي ليس حدثًا إداريًا، بل موقف وطني محسوب، يؤكد أن الشرطة السودانية ما زالت تمسك بخيط الدولة، وتحمي انتظامها، وتراكم خبرتها، رغم شراسة الواقع.
فحين تُدرّب الشرطة في زمن الحرب، فهي لا تُعد أفرادًا فحسب،
بل تحرس فكرة الدولة نفسها.
والله ولي التوفيق
