مقالات

✍🏽 راشد همت مشروع التفكيك في المنطقة: خرائط تُرسم تحت غطاء الأزمات

بواسطة: شاهد عيان يناير 4, 2026
راشد همت

لم تعد الأزمات التي تضرب الإقليم العربي والإفريقي مجرد وقائع منفصلة أو صراعات محلية يمكن فهمها بمعزل عن محيطها، بل بات من الواضح أننا أمام مسار واحد تتعدد ساحاته وتتطابق أدواته. من اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى الصومال، تتكرر المشاهد ذاتها: دولة تُستنزف، مجتمع يُمزَّق، صراع يُدار بأدوات محلية، ونهايات مفتوحة على التفكيك والتشظي. إنه مشروع لا يقوم على الصدفة، ولا يتحرك بعشوائية، بل يُنفَّذ وفق رؤية باردة تتقدم فيها الخرائط على حساب الإنسان، والجغرافيا على حساب الدولة.
من وهم الأزمات المحلية إلى حقيقة المشروع الإقليمي
أكبر الأخطاء في قراءة ما يجري هو التعامل مع كل ساحة باعتبارها حالة خاصة أو أزمة داخلية معزولة. فالتفكيك في اليمن، والإنهاك في السودان، والانقسام في ليبيا، ومحاولات فصل “أرض الصومال”، ليست إلا فصولاً مختلفة من نص واحد. نصٌّ يقوم على إضعاف الدولة المركزية، وتفجير التناقضات الكامنة، ثم إدارة الصراع إلى أن يصبح التقسيم حلاً مطروحاً أو واقعاً مفروضاً.
هذا المسار لا يحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى زمنٍ طويل، وإعلامٍ موجه، ونخبٍ مأزومة، وصراعات تُدار بالوكالة. وهنا تكمن خطورته الحقيقية؛ إذ يبدو داخلياً في شكله، بينما هو خارجي في جوهره وأهدافه.
الجغرافيا كغنيمة… والهوية كهدف
لا يمكن فصل مشاريع التفكيك عن الموقع الجيوسياسي للمنطقة. فالممرات البحرية الحيوية، من باب المندب إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، والثروات الطبيعية الهائلة، تجعل من هذه الدول هدفاً دائماً لإعادة الضبط والسيطرة. غير أن السيطرة على الجغرافيا لا تكتمل دون تفكيك الهوية، وضرب الروابط الجامعة، وتحويل الانتماءات الفرعية إلى بدائل للوطن.
وحين تُختزل الدولة في مكوناتها، ويُقدَّم الانفصال بوصفه حلاً للظلم، تصبح الأمة بلا ظهر، والدولة بلا معنى، والمجتمع بلا أفق، وتتحول الأزمات إلى مدخل دائم لإعادة إنتاج الفوضى.
النخب بين العجز والتواطؤ وفقدان البوصلة
في قلب هذا المشهد، تقف النخب السياسية والفكرية أمام اختبار أخلاقي وتاريخي بالغ القسوة. فبعضها أخفق في إنتاج مشروع وطني جامع، وبعضها ارتهن للخارج، وبعضها انسحب إلى خطاب تبريري يخلط بين النقد المشروع وهدم الدولة ذاتها.
إن أخطر ما تواجهه الدول في لحظات التفكيك ليس العدو الخارجي وحده، بل النخبة التي تفقد وعيها بالسياق، أو تتعامل مع الوطن باعتباره ورقة تفاوض لا قيمة وجود، فتُسهم – بوعي أو دون وعي – في تعميق مسار الانقسام.
الدور السعودي ومعنى المسؤولية الإقليمية
في هذا السياق المضطرب، يبرز الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية بوصفه عاملاً كابحاً لمشاريع التفكيك، لا سيما في موقفها الداعم لوحدة اليمن، وحرصها على استقرار الإقليم وأمنه. وهو دور لا ينطلق من حسابات آنية، بل من إدراك عميق بأن انهيار الدول المحيطة يفتح أبواب الفوضى على الجميع، وأن أمن المنطقة وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة.
غير أن مواجهة مشروع بهذا العمق والتعقيد تتطلب أكثر من مواقف منفردة؛ إنها تحتاج إلى جبهة إقليمية واعية، سياسية وفكرية، تُعيد الاعتبار للدولة الوطنية، وتنتقل من إدارة الأزمات إلى تفكيك منطق التفكيك ذاته.
خاتمة: معركة الوعي قبل أن تُفرض الخرائط
إن معركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي. فحين يُفهم الصراع على أنه نزاع محلي معزول، يُهزم الوطن قبل أن تُرسم حدوده الجديدة. أما حين يُدرك أن ما يجري هو مشروع واحد بأدوات متعددة، يصبح إفشاله ممكناً.
وحدة الأوطان ليست شعاراً عاطفياً ولا ترفاً سياسياً، بل شرط بقاء. وحين تستعيد النخب وعيها، ويستعيد الرأي العام ثقته بالدولة، تتحول الخرائط من أدوات تقسيم إلى خطوط دفاع، ويغدو المستقبل خياراً تصنعه الإرادة لا قدراً يُفرض بالقوة.