تتداول منصات التواصل الاجتماعي هذه الأيام شائعةً جديدة تزعم إحالة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، نائب القائد العام للقوات المسلحة، إلى التقاعد، في محاولة مكشوفة لإرباك المشهد العسكري وبث الإحباط في الشارع السوداني، في توقيت بالغ الحساسية من عمر حرب الكرامة الوطنية، وليست هذه المرة الأولى التي تطلق فيها غرف الدعاية الإلكترونية التابعة لميليشيا الدعم السريع وحلفائها شائعات تستهدف الفريق شمس الدين كباشي، الرجل الذي يُعد أحد أعمدة كابينة القيادة العسكرية، إذ سبقتها شائعات وصلت حد الترويج لوفاته ونشر شهادة وفاة مزورة على منصات التواصل الاجتماعي، وبحسب مراقبين، فإن تكرار هذه الشائعات كلما برز اسم كباشي في واجهة الأحداث يؤكد حقيقة واحدة: أن وراء الرجل خطوة قادمة تثير فزع العدو، فيلجأ إلى سلاح الشائعة كأداة يائسة للحرب النفسية.
كارزيما وقوة ومحبة:
ويتمتع الفريق أول ركن شمس الدين كباشي بثقل استثنائي داخل المؤسسة العسكرية، مستنداً إلى سجل طويل من الانضباط، والحزم، والقدرة على اتخاذ أصعب القرارات في أصعب النوبات، ويُعرف الرجل بصلابته العسكرية، وهدوئه في إدارة الأزمات، وكاريزما القيادة التي تجمع بين الحسم والإنصات، وهي صفات جعلته محل احترام وتقدير واسع وسط الضباط وضباط الصف والجنود على حد سواء، وخلال فترة الحرب، لم تبقِ هذه المحبة داخل أسوار المؤسسة العسكرية، بل انتقلت إلى الشارع السوداني الذي تابع إطلالاته القوية، وحديثه المباشر غير الموارب، ومواقفه الصلبة تجاه الميليشيا المتمردة، وعبّر الشارع عن هذه المحبة بإطلاق ألقاب تحولت إلى (ترند) على منصات التواصل الاجتماعي، مثل: (نار الضلع)، (يا قوّة)، ( كبش حديد)، (النمر الأسود)، وغيرها من المسميات التي تعكس وجداناً شعبياً يرى في كباشي رمزاً للقوة والثبات، في زمن تكثر فيه التحديات.
إدارة العمليات:
ومنذ الساعات الأولى لاندلاع حرب الكرامة الوطنية التي أشعلتها ميليشيا الدعم السريع، ظهر الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إلى جانب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، داخل غرفة إدارة ومتابعة العمليات، في مشهد اختصر طبيعة المرحلة وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق القيادة العسكرية، ولم يكتفِ كباشي بإدارة المعركة من المكاتب المغلقة، بل انخرط ميدانياً عبر زيارات متتابعة للقوات في مختلف المحاور وجبهات القتال، شوهد في قلب الخرطوم في الوقت الذي كانت تسيطر فيه ميليشيا الدعم السريع على نحو 95% من العاصمة، كما تنقل كباشي بين محاور القتال في المنطقة العسكرية الشرقية والوسطى، وبرز حضوره في معارك جبل موية والمناقل وشمال كردفان، ويرى محللون عسكريون أن هذه الزيارات كان لها أثر مباشر في رفع الروح المعنوية للقوات، وتحفيزها على تحقيق انتصارات ساحقة ومتلاحقة، أسهمت في تراجع الميليشيا وتقهقرها غرباً نحو كردفان ودارفور، وعلى الصعيد السياسي، اضطلع الفريق كباشي بدور محوري في إدارة ملف الجهاز التنفيذي للدولة، في ظل غياب رئيس وزراء عقب استقالة الدكتور عبد الله حمدوك، حيث ساهمت جهوده في الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك مؤسسات الدولة خلال واحدة من أعقد الفترات في تاريخ السودان الحديث.
حصار جنوب كردفان:
وفي تطور لافت، برز موقف الفريق شمس الدين كباشي الأخير بفتح ملف كسر الحصار والعزلة عن ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، حيث تولى القضية بصورة مباشرة عبر دعم وإسناد متحرك أسود العرين والصياد الثاني، إيذاناً بانطلاق عملية عسكرية نوعية للانفتاح على المنطقة، وفك الحصار، والقضاء على تحالف (الحلو – دقلو)، والتقى كباشي قيادات عسكرية وسياسية ونخباً مجتمعية من أبناء المنطقة، في خطوة حملت رسائل سياسية وعسكرية قوية، خاصة أن المتحرك يتكون من أبناء الإقليم الذين اكتووا بنار الأزمة، ويسعون لإنقاذ أهلهم من براثن مشروع التغيير الديموغرافي الذي يقوده هذا التحالف، ولم يكن حضور كباشي في جنوب كردفان عسكرياً فحسب، بل إنسانياً أيضاً، إذ واكب أزمة الحصار الخانق وما ترتب عليها من ضيق في المعيشة وشظف العيش وشبح مجاعة، حيث تبرع بمبالغ مالية معتبرة لصالح إغاثة المواطنين، كما كان وراء الاتفاق الذي أُبرم في جوبا، والذي بموجبه تم تسيير طائرات إغاثة مباشرة من مطار جوبا إلى مطار كادقلي، محملة بالمساعدات الإنسانية، ما انعكس إيجاباً على استقرار الأوضاع المعيشية حتى دخول موسم الخريف.
قراءة في التوقيت:
ويطرح توقيت إطلاق شائعة إحالة الفريق شمس الدين كباشي إلى التقاعد جملة من الأسئلة الاستراتيجية، فالسودان يمر بمرحلة دقيقة من الحرب، تتداخل فيها العمليات العسكرية مع مسارات التحاور مع المجتمع الدولي لإنهاء الأزمة، وإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني، ويرى مراقبون أن مجرد التفكير في إبعاد قائد بمواصفات وخبرة وثقل كباشي في هذا التوقيت يُعد أمراً غير منطقي من زاوية المصلحة الوطنية، وهو ما يدحض الشائعة من أساسها، ويضيف هؤلاء أن استهداف كباشي إعلامياً يعكس إدراك الميليشيا وحلفائها لحجم دوره القادم، سواء على مستوى الحسم العسكري في بعض الجبهات، أو على مستوى إدارة التعقيدات السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، وبحسب قراءة تحليلية، فإن الشائعة تأتي ضمن حرب نفسية منظمة تهدف إلى ضرب ثقة الشارع في قيادته العسكرية، وإيصال رسالة مضللة للمجتمع الدولي بأن المؤسسة العسكرية تعيش حالة ارتباك داخلي، في وقت تشير الوقائع على الأرض إلى عكس ذلك تماماً.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. تبقى شائعة إحالة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إلى التقاعد، حلقةً جديدة في سلسلة طويلة من محاولات الاستهداف المعنوي، التي كلما تكررت، أكدت أن الرجل يقف في قلب معركة حقيقية، عسكرية وسياسية وإنسانية، وفي الوقت الذي تراهن فيه غرف التضليل على الشائعة، يراهن السودانيون على الوقائع.. والوقائع تقول إن شمس الدين كباشي ما زال في قلب المشهد، ويعتلي منصةً تصنع الآن، لحظاتٍ فارقة في تاريخ السودان
















Leave a Reply