✍🏽 عبدالمنان أبكر عمر السودان والتحول الدولي… من إدارة الحرب إلى إعادة بناء الدولة
شكّل خطاب الدكتور كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء السوداني أمام مجلس الأمن الدولي نقطة انعطاف حقيقية في مسار التعاطي الدولي مع الحرب السودانية ليس فقط لما حمله من مبادرة لوقف الحرب، بل لأنه جاء في لحظة إقليمية ودولية تشهد إعادة تشكيل عميق لأولويات القوى الكبرى تجاه الشرق الأوسط والقرن الإفريقي فقد تزامن الخطاب مع تحولات واضحة في الموقف الأمريكي بعد اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو لقاء حمل في طياته رسائل تتجاوز العلاقات الثنائي ليؤسس لمقاربة جديدة عنوانها الاستقرار الإقليمي وإنهاء حروب الوكالة.
جاء الخطاب السوداني هذه المرة مختلفًا في لغته وبنيته السياسية إذ انتقل بالسودان من موقع الدفاع عن النفس إلى موقع المبادرة السياسية وطرح رؤية تنطلق من سيادة الدولة ورفض شرعنة التمرد المسلح. وقد أسهم هذا الخطاب في تفكيك السردية الدولية التي ظلت تساوي بين الدولة ومليشيا الدعم السريع، وأعاد توصيف الصراع باعتباره تمردًا مسلحًا عابرًا للحدود مدعومًا بالمال والمرتزقة، وليس نزاعًا داخليًا بين قوتين متكافئتين. هذا التحول الخطابي لم يكن مجرد تغيير لغوي بل أسس لشرعية سياسية جديدة للدولة السودانية داخل مجلس الأمن وضيّق الهامش الذي كانت تتحرك فيه المليشيا وحلفاؤها إقليميًا ودوليًا.
وقد انعكس ذلك سريعًا في تآكل الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي تمتعت به مليشيا الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، سواء عبر تراجع خطاب (الطرفين) في بعض المواقف الدولية أو من خلال انحسار محاولات فرض تسويات تُعيد دمج المليشيا في المشهد السياسي أو الأمني. كما بدأت تتكشف مؤشرات على تضييق قنوات التمويل غير المباشر التي ظلت تُدار عبر شبكات إقليمية ودولية تحت عناوين إنسانية أو تجارية، لتتلاشى تدريجيًا (أموال المؤامرة) أمام صمود الدولة السودانية وتماسك الجيش والاصطفاف الشعبي الواسع خلف خيار الحسم ورفض أي تسوية تعيد إنتاج التمرد.
في هذا السياق يبرز التحول في الموقف الأمريكي بوصفه عاملًا حاسمًا في إعادة رسم المشهد. فواشنطن التي أدارت الصراع في السودان خلال مراحل سابقة بمنطق الاحتواء وإدارة الأزمة باتت اليوم أكثر حساسية تجاه تداعيات الفوضى على أمن البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية وعلى استقرار القرن الإفريقي في ظل التنافس مع الصين وروسيا. ولم يعد الرهان على المليشيات كأدوات نفوذ خيارًا آمنًا بعد أن أثبتت التجربة أنها قوى غير منضبطة تهدد المصالح الغربية نفسها وتفتح المجال لتدخلات دولية مضادة. ومن هنا بدأ السودان يُعاد إدراجه في الحسابات الأمريكية بوصفه دولة حورية لا ساحة صراع هامشية، وبوصف استقراره مصلحة استراتيجية غير مباشرة.
وقد لعبت المملكة العربية السعودية دورًا مركزيًا في دفع هذا التحول مستندة إلى إدراكها العميق لخطورة انهيار السودان على أمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية. فالسعودية لم تعد تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية الوساطة فقط بل من زاوية إعادة هندسة الاستقرار الإقليمي عبر دعم الحلول التي تحافظ على مؤسسات الدولة وترفض شرعنة المليشيات وتربط أي تسوية بوقف التدخلات الخارجية السالبة. هذا الدور أسهم في إعادة ضبط بوصلة المجتمع الدولي وأضعف نفوذ الأطراف التي استثمرت في إطالة أمد الحرب لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية.
ولا ينفصل هذا التحول السياسي عن انعكاساته الاقتصادية العميقة إذ إن الدول والمؤسسات المالية الكبرى لا تتحرك في بيئات غامضة أو خاضعة لمنطق والمليشيات بل تبحث عن شريك سيادي قادر على بسط الأمن وحماية الاستثمارات وتقديم ضمانات قانونية مستقرة. ومع تراجع الرهان الدولي على الدعم السريع واستعادة الدولة السودانية لخطابها السيادي، يعود السودان تدريجيًا إلى واجهة الاهتمام الدولي كشريك محتمل في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة، الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بالبحر الأحمر والعمق الإفريقي. كما يُعاد فتح النقاش داخل مراكز القرار الغربية حول جدوى إدماج السودان في النظام المالي الدولي وربط الدعم الاقتصادي بإعادة بناء مؤسسات الدولة لا بإدارة الأزمة الإنسانية فقط، بما يفتح المجال أمام استثمارات إقليمية ودولية طويلة الأمد، وفي مقدمتها الاستثمارات السعودية للانتقال من منطق المساعدات إلى منطق الشراكات الاستراتيجية.
من الانتصار السياسي إلى الدولة المنتجة:
إن ما يشهده السودان اليوم لا يمكن اختزاله في تحول دبلوماسي عابر بل يمثل بداية نهاية مشروع الحرب بالوكالة وسقوط الرهان على المليشيات كبديل للدولة الوطنية. فقد أثبت السودان بصموده السياسي والعسكري والشعبي أن الدولة قادرة على استعادة موقعها في نظام دولي متغير وأن الشرعية لا تُصنع بالمال ولا بالمرتزقة بل بالتماسك الداخلي ووضوح الرؤية. غير أن النصر السياسي مهما كان مهمًا، يظل ناقصًا ما لم يُترجم إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة اقتصاديًا، يقوم على تفكيك اقتصاد الحرب، واستعادة السيطرة على الموارد، وتوحيد القرار المالي، وخلق بيئة استثمارية شفافة وجاذبة. عندها فقط يتحول الدعم الدولي من ضغط سياسي إلى شراكة تنموية ويتحول السودان من ملف أمني على طاولة مجلس الأمن إلى دولة منتجة، مستقرة وقادرة على لعب دورها الطبيعي كمفصل استراتيجي بين إفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر. هذه هي المعركة القادمة وهي لا تقل أهمية عن معركة السيادة بل تمثل تتويجها الحقيقي.
