مقالات

حين تنحرف الشعارات.. مواكب محدودة وتنمر على الأجهزة الامنية في زمن الحرب..!! تقرير: محجوب أبوالقاسم

بواسطة: شاهد عيان ديسمبر 22, 2025
محجوب أبوالقاسم

 

في وقت يشهد فيه السودان حرب مدمرة خرج عدد محدود من الشباب في بعض المدن والمناطق لإحياء ذكرى ثورة ديسمبر غير أن المشهد هذه المرة لم يحمل ذات الزخم الشعبي ولا الروح الجامعة في بدايات الثورة بل طغت عليه سلوكيات إستفزازية تمثلت في التنمر اللفظي والتعدي المعنوي على أفراد الأجهزة الأمنية والشرطية.
وبدلا من أن تتحول الذكرى إلى وقفة وطنية جامعة تستحضر قيم الحرية والسلام في مواجهة واقع الانقسام والدمار انزلق المشهد في بعض مشاهده إلى حالة من الصدام الرمزي مع مؤسسات أمنية تعد اليوم من اخر ما تبقى من هياكل الدولة في ظل فوضى أمنية وانفلات واسع أفرزته الحرب.

مواكب بلا حاضنة شعبية
الملاحظ أن هذه التحركات جاءت محدودة العدد والتأثير مقارنة بمواكب ديسمبر في سنواتها الأولى ما يطرح تساؤلات حقيقية حول تاكل الحاضنة الشعبية لهذا النوع من الفعل الاحتجاجي وذلك بسبب مشاركة الأحزاب التي قادت الثورة في الحرب على السودان وبالاضافة الى انشغال المواطنين بتأمين سبل العيش أو النجاة من القصف والنزوح واللجوء.
ويرى مراقبون أن الشارع لم يعد يتفاعل مع الشعارات المجردة بقدر ما يبحث عن الأمن والاستقرار وإنهاء الحرب التي باتت الخطر الوجودي الأول متقدمة على أي أجندة سياسية أو ثورية.

التنمر على الأجهزة الأمنية والشرطة: أزمة وعي أم فوضى خطاب؟
الهتافات والعبارات التي استهدفت الأجهزة الأمنية والشرطية أثارت جدلا واسعا في الراى العام لان هذه القوات استطاعت ان تحافظ على السودان في مرحلة دقيقة من تاريخه بسبب الحرب الوجودية المفروضة عليه خاصة أنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية تعمل فيه الشرطة على حفظ الحد الأدنى من النظام في مدن تعاني من هشاشة أمنية غير مسبوقة.
وحذر مختصون من أن شيطنة المؤسسات النظامية بشكل مطلق لا تخدم أهداف الثورة ولا قضايا التحول المدني بل تصب عن قصد أو غير قصد في مصلحة الفوضى وتضعف ما تبقى من سلطة الدولة، في وقت تتكاثر فيه المليشيات والسلاح المنفلت ، وأن نقد الأجهزة الأمنية يجب أن يكون مؤسسيا ومسؤولا لا عبر التنمر أو الاستفزاز .

الحرب غيرت الأولويات… فلماذا الخروج الآن؟
غيرت الحرب معادلة الشارع بصورة جذرية فبعد أن كانت الهتافات تطالب بإسقاط الأنظمة وبناء الدولة بات المواطن اليوم يبحث عن الأمان والخبز والعلاج وممر امن للحياة وفي هذا السياق يبدو هذا الخروج وكأنه منفصل عن الواقع اليومي لغالبية السودانيين أو أسير خطاب لم يحدث أدواته ولا لغته.
ويثير توقيت هذه التحركات تساؤلات مشروعة إذ جاء في لحظة انسداد سياسي وغياب فاعل مدني مؤثر ما دفع مجموعات شبابية محدودة لمحاولة استعادة الحضور عبر الشارع ولو بشكل رمزي. اما سياسيا يعكس هذا التوقيت سعيا لإعادة إنتاج المشهد الاحتجاجي القديم وإرسال رسائل للداخل والخارج بأن الشارع ما زال حاضرا، غير أن محدودية المشاركة وطبيعة السلوكيات المصاحبة أضعفت الأثر السياسي المرجو وحولت الرسالة إلى حالة جدلية مثيرة للانقسام.
كما يحمل هذا الخروج دلالة أخرى تتعلق بمحاولات إعادة التموضع السياسي لبعض التيارات عبر استدعاء رمزية ديسمبر في مواجهة واقع الحرب، دون تقديم رؤية واضحة لإنهائها أو لمعالجة تداعياتها وهو ما يفسر اللجوء إلى خطاب تصادمي مع الأجهزة الأمنية كبديل عن برنامج سياسي قابل للتنفيذ.
يحمل هذا الخروج المحدود وما صاحبه من تنمر على الشرطة عدة دلالات أبرزها أزمة القيادة داخل التيار الثوري وغياب الرؤية الموحدة وفشل النخب في تقديم خطاب يواكب حجم الكارثة الوطنية.
كما يكشف المشهد عن حاجة ملحة لإعادة تعريف معنى الاحتجاج في زمن الحرب وضبط العلاقة بين الشارع ومؤسسات الدولة بما يحفظ حق التعبير ويمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الصدام العبثي الذي لا يخدم سوى استمرار الأزمة.

رفع شعارات الديمقراطية دون الالتزام بجوهرها مطالب غير واقعية وغير قانونية
قال وزير الثقافة والإعلام والسياحة الأستاذ خالد الاعيسر إن رفع شعارات الديمقراطية دون الالتزام بجوهرها الحقيقي ودون احترام شروط ممارستها السليمة يفقد تلك المطالب مشروعيتها القانونية والأخلاقية ويجعلها غير واقعية بل يحولها إلى أداة تهديد لاستقرار البلاد خاصة حين تصدر عن جهات لا تؤمن بقيم الحرية ولا تلتزم بالممارسة المسؤولة للحقوق التي كفلتها القوانين.
وأوضح الاعيسر في منشور له أن السودان يمر بمرحلة حرب معقدة تفرض أولوية قصوى تتمثل في حماية الأرواح وصون وحدة المجتمع ومنع الانقسام ودعم الاستقرار الوطني محذرا من تحركات تدار خارج مقتضيات الواقع الوطني تقودها أطراف سبق أن أسهمت في إشعال الحرب عبر تعاونها مع المليشيات والمرتزقة ودول سعت إلى تدمير البلاد ونهب مواردها.
وأشار إلى أن مثل هذه التحركات تسهم في تعميق الانقسام الداخلي وتفتح الباب أمام استغلال داخلي وخارجي يستهدف إضعاف الجبهة الوطنية مؤكدا أن الاتكاء على شعار الديمقراطية لتبرير هذا المسار يعد توظيفا انتقائيا للمفهوم يفتقر إلى المصداقية لا سيما عندما يصدر عن أطراف انتهكت السلم الأهلي وأسهمت في تمزيق النسيج الوطني وتدمير المنشآت الخدمية.
وأضاف وزير الثقافة والإعلام والسياحة أن السودان يتعرض اليوم لعدوان خارجي مكتمل الأركان دفع بعض دول الجوار المرتبطة معه بمصالح الأمن القومي والمصير المشترك إلى التلويح بتفعيل اتفاقيات تهدف إلى حماية أمنها وأمن السودان مشددا على أن خطورة المرحلة الراهنة تستوجب عدم التهاون أو العبث بمصير الدولة والشعب.
وأكد الاعيسر أن الديمقراطية بوصفها قيمة إنسانية ومطلبا وطنيا لا خلاف على ضرورتها غير أن تحقيقها لا يكون عبر ممارسات تغذي الفوضى ولا من خلال وسائل تهدد وحدة المجتمع وتقوض استقرار الدولة بل عبر مسارات مسؤولة وأدوات سلمية رشيدة تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة والشعارات الجوفاء.
وأشار إلى أن الواقع تغير بعد ما شهده السودان من دمار وقتل وتشريد وانتهاكات جسيمة وهو ما يفرض ضرورة إعادة فرض هيبة الدولة وقطع الطريق أمام من حولوا مشروع التغيير إلى عمالة وارتزاق وتدخلات خارجية غير مبررة، مؤكدا أن الثورة قامت أساسا لتصحيح هذا المسار لا لإعادة إنتاج الفوضى والإقصاء.
واكد الاعيسر على أن الاعتداءات التي تتعرض لها المدن السودانية ومحاولات تبريرها من قبل أنصار وداعمي المليشيات تفرض وقفة وطنية جادة وحازمة لوضع حد لحالة الفوضى التي لم تبقي في السودان سوى التشريد والانتهاكات والنهب والسلب فضلا عن تدمير المنشآت والبنية التحتية والممتلكات الخاصة.

لا مجال إطلاقا لعودة عهد الفوضى والعبث
وعلق الكاتب الصحفي الأستاذ الهندي عزالدين في تغريدة له قائلا إن الذكرى السبعين لإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان تمثل لحظة وطنية فارقة، جسدت وحدة الإرادة السودانية مشيرا إلى أن مقترح الاستقلال قدمه نائب دائرة البقارة بجنوب دارفور السيد عبد الرحمن دبكة وثناه نائب دائرة المجانين ودار حامد بشمال كردفان السيد مشاور جمعة سهل في مشهد يعكس الشراكة الحقيقية بين أقاليم السودان المختلفة.
وأضاف الهندي عزالدين نحن فخورون بسودان 1956 المجيد السودان الذي أسسه أبناء دارفور وكردفان يدا بيد مع أبناء الشمال والوسط والشرق والجنوب في ملحمة وطنية خالدة أكدت أن هذا الوطن صُنع بالتكاتف لا بالإقصاء.
وأوضح أن ما يعيشه السودان اليوم هو ثورة حقيقية يقودها الشعب ثورة مقاومة شعبية مسلحة في مواجهة مليشيا الجنجويد ورعاتها الدوليين والإقليميين وعملائهم داخل البلاد دفاعا عن الدولة وسيادتها ووحدة ترابها.
وأكد الهندي عزالدين أنه لا مجال إطلاقا لعودة عهد الفوضى والعبث ولا لرفع شعارات تستهدف تفكيك القوات المسلحة أو تسفيه الشرطة أو تهميش جهاز الأمن والمخابرات مشددا على أن هذه المؤسسات تمثل صمام أمان الدولة وركيزة الاستقرار الوطني.
واكد على أن حسم وجود عملاء الجنجويد في الخرطوم وجميع الولايات بات ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل وبالقوة والردع حتى لا تتكرر الفواجع ولضمان مستقبل آمن ومستقر للسودان.

التظاهرات تؤكد أولا انهزام فكرة قوى قحت وصمود
قال الكاتب والإعلامي والباحث بمركز إبراهيم الوالي للبحوث أسامة مهدي عبد الله إن التظاهرات التي خرجت في مدينة أم درمان وعدد من المدن بزعم إحياء ذكرى ثورة ديسمبر وبتنظيم مجموعات شبابية حزبية في هذا التوقيت الحساس كشفت جملة من الحقائق السياسية المهمة حول واقع القوى التي تقف خلفها.
وأوضح أسامة مهدي أن هذه التظاهرات تؤكد أولا انهزام فكرة قوى قحت وصمود سياسيا وشعبيا وفشلها في الصمود الحقيقي داخل الشارع بعد أن فقدت تأثيرها ووجودها الفعلي خلال أكثر من ثلاثة أعوام من التمرد والحرب التي يخوضها السودان دفاعاً عن الكرامة الوطنية ووحدة البلاد.
وأضاف أن ما جرى يمثل محاولة للعودة إلى المشهد السياسي عبر الشباك وليس عبر الباب من قبل قوى وأحزاب فقدت حضورها الجماهيري وتسعى لإعادة تدوير نفسها عبر شعارات مستهلكة لم تعد تقنع الشارع .
وأشار إلى أن هذه التحركات تندرج ضمن محاولات جس نبض تقودها قوى اليسار السوداني المؤيدة لعبد الله حمدوك ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) وقحت وصمود وما يعرف بمشروع التأسيس مستفيدة من تصريحات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بعدم منع أي سوداني من حقه في الجواز السوداني.
وبين أسامة مهدي أن المخطط كان واضحا ويتمثل في السعي لجر الأجهزة النظامية إلى مواجهة مباشرة مع هذه التظاهرات بغرض رفع تقارير إقليمية ودولية للمنظومات الأممية تتهم الدولة بقمع الحريات والحكم العسكري في محاولة لتزييف الواقع وتشويه صورة السودان متسائلا من الذي يحرك هؤلاء المتظاهرين؟ ولصالح من تدار هذه التحركات؟
وأشاد في هذا السياق بالتعامل المهني والمسؤول من قبل الشرطة السودانية مع المتظاهرين رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد في ظل التمرد والاعتداءات والمخاطر الأمنية ومحاولات صناعة الفوضى والفتنة تحت لافتة ثورة ديسمبر.
وأكد أن ثورة ديسمبر ليست الثورة الوحيدة في تاريخ السودان فقد سبقتها ثورات وانتفاضات وطنية منذ عهد الاستعمار وحتى الاستقلال ولا يجوز اختزال تاريخ النضال السوداني أو استخدامه غطاء لمشروعات فاشلة.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن هذه التظاهرات كشفت حجم المؤامرة وضعف الطرح السياسي وعجز القائمين على تسويق بضاعة فاشلة، كما أظهرت قصر النظر وقلة الفهم لواقع السودان وتحولاته العميقة.

مصلحة الوطن اولا
تؤكد أحداث هذا اليوم العبثي أن تكرار الشعارات دون استراتيجية أو رؤية عملية يفرغها من معناها ويحولها إلى مجرد ضوضاء سياسية. السودان اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى الالتفاف حول الأجهزة الأمنية الحامية للوطن و إلى مسارات مسؤولة وحوار وطني حقيقي يحمي الدولة ويصون حياة المواطنين، ويحتاج ايضا أن تدرك القيادة ان اي تجاهل او صؤف النظر عن مثل هكذا احداث سيرجع البلد للفوضى مؤة اخرى ويجب ايضا ان تكون القيادة واعية تدرك أن القوة الحقيقية ليست في المواكب الرمزية بل في بناء الأمن والاستقرار ووضع مصلحة الوطن فوق أي حسابات ضيقة.