مكاوي الملك | السودان في مرمى الأكاذيب الأمريكية: حين تتواطأ واشنطن وأبوظبي لحماية المليشيا وتقسيم الدولة
في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريو “أسلحة الدمار الشامل” في العراق، أعادت الإدارة الأمريكية تدوير مسرحية قديمة بوجه جديد، متهمة الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية ضد مليشيا الدعم السريع. لكن خلف هذه المزاعم ما هو أخطر من مجرد كذبة؛ إنه استهداف ممنهج لمشروع الدولة الوطنية في السودان، ومحاولة لقلب الطاولة وإنقاذ مليشيا تتهاوى تحت أقدام الجنود السودانيين.
اتهام بلا جثة.. بلا مسرح جريمة.. وبلا منطق
هل يُعقل إطلاق اتهامات بهذا الحجم دون صور، دون تحقيقات، دون أدلة طبية أو بيئية، أو حتى شهادة واحدة؟
لم تجرؤ الخارجية الأمريكية على تحديد موقع أو توقيت أو نوع السلاح، ولم تقدّم ما يثبت أقوالها أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية – الجهة الوحيدة المخوّلة بالتحقيق.
الأكثر إثارة للدهشة: حتى مليشيا الدعم السريع نفسها لم تدّع يوماً أنها تعرّضت لهجوم كيميائي!
ترامب والإمارات: فصول اللعبة القذرة
العقوبات الأمريكية جاءت بعد زيارة ترامب إلى الخليج وتوقيع صفقات تجارية مع الإمارات، الحليف المالي والعسكري الأول للدعم السريع.
في وقت تكشفت فيه خيوط التورط الإماراتي – من شحنات الأسلحة، إلى الطائرات، إلى المستشفيات الميدانية – ظهر القرار الأمريكي كغطاء سياسي لإنقاذ مليشيا تحتضر، وتحويل الجلاد إلى ضحية.
من “وسيط” إلى شريك في الجريمة
فشلت واشنطن في فرض أي التزام على المليشيا، فتحوّلت من وسيط مزعوم إلى طرف في الصراع.
أصبح واضحًا أن ما عجزت عنه المليشيا على الأرض، تحاول أمريكا فرضه بالسياسة والعقوبات.
لكن السودان ليس مختبراً أمريكياً لتجريب الأكاذيب القديمة.
لذاكرة لا تنسى: من مصنع الشفاء إلى معركة السيادة
الاتهامات الجديدة تعيد للأذهان ضرب مصنع الشفاء عام 1998، عندما زعمت إدارة كلينتون أنه مصنع أسلحة كيميائية، ثم تبين لاحقًا أنه مصنع أدوية.
لم تعتذر أمريكا، ولم تعوض الضحايا. اليوم تعيد الكرة في السودان، لكن الفرق أن الشعب والجيش أكثر وعيًا، وأشد صلابة.
جيش لا يُشترى.. وسيادة لا تُساوَم
الجيش السوداني التزم منذ بدء الحرب بقواعد الاشتباك، رغم فظائع المليشيا من اغتصاب، وحرق، ونهب، وقتل على الهوية.
لم يستخدم الجيش سلاحًا محرّمًا، لا خوفًا من أحد، بل لأنه جيش دولة، لا مرتزقة.
في المقابل، استخدمت المليشيا طائرات مسيرة صينية، وأسلحة أوروبية وأمريكية، وقصفت الأسواق والمستشفيات، وارتكبت إبادة جماعية موثّقة بالصوت والصورة… ومع ذلك، لم تتحرك واشنطن!
هل يريدون عراقًا جديدًا؟
المخطط واضح: عقوبات تمهّد لتدخل دولي محتمل، فرض مناطق عازلة، تقسيم السودان، وإعادة تدوير المليشيا ضمن “حلول سياسية دولية”.
لكن ما لا تفهمه واشنطن: السودان لن يكرّر تجربة العراق، أو ليبيا، أو سوريا.
ما تفعله الإدارة الأمريكية – بدعم إماراتي صريح – هو جريمة سياسية مكتملة الأركان.
جريمة ضد شعب، وضد دولة، وضد الحقيقة.
لكن مهما علت الضوضاء، لن تغطي على الانتصارات الميدانية، ولن تغيّر من حقيقة أن الجيش السوداني يكتب تاريخه الآن بدماء شهدائه، لا بأكاذيبهم.
ومن يظن أن السودان سيركع بالعقوبات… لا يعرف شيئًا عن الكبرياء السوداني.
