القاسم المشترك بين اطماع حميدتي ومحمد علي باشا
✍🏾الباقر عكاشة عثمان
تتشابه السياسات وإن اختلفت الأزمنة والوسائل وتظل الأطماع في ثروات السودان وموقعه الاستراتيجي حاضرة في حسابات القوى التي تنظر إليه باعتباره ساحة لتحقيق مصالحها
فعندما قرر محمد علي باشا فتح السودا لم يكن الأمر مجرد توسع جغرافي أو حملة عسكرية تقليدية بل ارتبط بالبحث عن الذهب والثروات وطرق التجارة وتامين منابع النيل إلى جانب أهداف عسكرية وسياسية من بينها معالجة قضية الأرناؤوط الذين شكلوا عبئا في حساباته فكان التوجه نحو السودان يحمل أكثر من غاية إما التخلص منهم عبر الزج بهم في المعارك وقتلهم أو إعادة توطينهم في أرض بعيدة عن مركز الحكم بالتزامن مع استغلال موارد البلاد وتوسيع النفوذ
واليوم، ونحن نتابع فصول الحرب التي أشعلتها قوات الدعم السريع علينا ان نتساءل حول أوجه الشبه بين حسابات الماضي ومخططات الحاضر وحول ما إذا كانت الحرب قد تجاوزت هدف الاستيلاء على السلطة لتصبح مدخلا لتحقيق مصالح إقليمية تتشابك فيها الحسابات الأمنية والديمغرافية والاقتصادية
فالحرب السودانية لم تعد شأنا داخليا معزولا، بل أصبحت مسرحا لتداخل المصالح الإقليمية والدولية وتقاطعت فيها أطماع القوى الساعية إلى النفوذ مع طموحات قيادة التمرد في ظل امتدادات قبلية واجتماعية تتجاوز حدود السودان إلى دول الجوار،حيث تنتشر مجموعات عربية عابرة للحدود تعاني بعض دولها من تحديات أمنية واجتماعية واقتصاد
ومن هنا ياتي السؤال هل اعادت تلك الدول سيناريو محمد علي باشا وانتهجت نفس السياسة والفرصة الذهبية بالتخلص من عرب الشتات بدفعهم إلى معركة مفتوحة داخل السودان بحيث تكون النتيجة إما القضاء عليهم في ساحات القتال،أو تمكينهم من الانتصار والتوطين بما يفضي إلى تغيير ديمغرافي في البلاد؟
إن هذا الاحتمال يكتسب خطورته من طبيعة الامتدادات القبلية العابرة للحدود ومن إمكانية توظيفها في صراعات تتجاوز أهدافها المعلنة لتصبح أداة في معادلات إقليمية أكبر، يدفع المواطن السوداني ثمنها من دمه وأرضه ومستقبل أبنائه
وفي خضم هذه المعادلة تبرز دولة الإمارات في دائرة الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع، وسط تساؤلات عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالحرب وفي مقدمتها الذهب السوداني إلى جانب الموقع البحري الاستراتيجي للسودان وموانئه المطلة على البحر الأحمر فالذهب ليس مجرد معدن نفيس والموانئ ليست مجرد منشآت تجارية فكلاهما يمثل ركيزة من ركائز القوة الاقتصادية والسياسية ومن يملك القدرة على التأثير في مسارات إنتاج الذهب وتصديره، أو النفوذ في الموانئ والممرات البحرية يستطيع أن يعزز موقعه في معادلات الإقليم، ويحقق مكاسب تتجاوز حدود الاقتصاد إلى السياسة والأمن والاستراتيجية وهنا تتقاطع المصالح وتتعدد الأهداف ويصبح السودان بثرواته وموقعه ساحة لصراع تتجاوز أطرافه حدود البلاد بينما يظل الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من استمرار الحرب وتداعياتها لكن اقول ان حسابات السياسة لا تسير دائما وفق ما تشتهيه الأطراف التي تضع الخطط وترسم السيناريوهات فقد تنقلب المعادلة على أصحابها وتتحول الأدوات التي استُخدمت لتحقيق الأهداف إلى مصادر تهديد لمن وظفوها
ويبدو ان المخاوف من ارتدادات الحروب العابرة للحدود قد دفعت بعض دول المنطقة إلى إعادة النظر في تعاملها مع ذات المجموعات التي حاولت التخلص منها وكانت تمثل جزءا من معادلاتها الداخلية والإقليمية فالاجراءات التي اتخذتها بعض الدول ومنها النيجر بحق مجموعات الشتات فتم سحب جنسيات وإغلاق مدارس وآبار مياه في صورة تعكس حجم التحولات التي قد تطرأ على مواقف الدول عندما تشعر بأن تداعيات الصراعات أصبحت تهدد استقرارها ومصالحها فالحرب التي كان يراد لها وفق هذه القراءة، أن تكون نعمة لبعض الأطراف الاقليمية قد تتحول إلى نقمة عليها فالمقاتلون الذين يُدفع بهم إلى ساحات الصراع لا يظلون بالضرورة أدوات طيعة في أيدي من حركوهم كما أن تداعيات الحروب لا تتوقف عند حدود الدولة التي تشتعل فيها
فحين تتجاوز الحروب حدود السيطرة وتتشابك الولاءات والمصالح يصبح من الصعب على أي طرف ضمان النتائج التي سعى إليها منذ البداية إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان في هذه المرحلة ليس الدمار المادي وحده، ولا الخسائر البشرية الفادحة فالانتصار الخقيقي بان لا تتحول الحرب إلى مدخل لإعادة تشكيل واقعه السكاني والاجتماعي وإلى وسيلة لتمرير مشروعات تتعارض مع مصالح شعبه وحقه في تقرير مصيره فمعركة السودان الحقيقية لا تقتصر على إنهاء التمرد واستعادة الأمن والاستقرا، بل تمتد إلى حماية الأرض والموارد وصون الهوية الوطنية ومراجعة السجل المدني والتصدي لكل محاولات العبث بالتركيبة السكانية أو تحويل البلاد إلى مستودع لأزمات الآخرين وميدان لتصفية صراعاتهم
لقد ظل السودان عبر تاريخه، مطمعا بسبب ما يملكه من ثروات وما يتمتع به من موقع استراتيجي وبين حملة الأمس وحرب اليوم، يبقى الدرس الأهم أن الدول التي لا تحمي مواردها وسيادتها ولا تدرك أبعاد الصراعات المحيطة بها، قد تجد نفسها تدفع أثمانا لم تكن طرفا في التخطيط لها، لكنها أصبحت في قلب نتائجها..
شعب واحد جيش واحد
