تمديد تقني يُسقط محاولة توسيع حظر السلاح على السودان.. والدبلوماسية السودانية تنتزع شهرين جديدين
شاهد عيان | الخرطوم
في واحدة من أكثر المعارك الدبلوماسية حساسية منذ اندلاع الحرب، انتهت جولة جديدة داخل مجلس الأمن إلى تمديد تقني لنظام العقوبات الخاص بالسودان لمدة شهرين، مع بقاء حظر السلاح محصورًا في نطاق دارفور، وعدم تمرير المقترح الأميركي بتوسيع الحظر ليشمل كامل الأراضي السودانية.
القرار أُجيز بالإجماع، لكنه لم يكن انتصارا للمشروع الذي سعت واشنطن إلى تمريره؛ فالمقترح الأميركي كان يستهدف توسيع نطاق حظر السلاح من دارفور إلى جميع أنحاء السودان، إلى جانب إدخال تعديلات أخرى على نظام العقوبات. غير أن الخلافات داخل المجلس حالت دون تمرير هذه التغييرات، فاختار الأعضاء تمديدًا تقنيًا قصير الأجل لإتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات.
معركة لم تكن على الورق فقط
المسألة بالنسبة للسودان لم تكن مجرد تجديد إجراء أممي قديم، بل معركة حول قدرة الدولة السودانية على الحصول على السلاح ووسائل الدفاع عن سيادتها في مواجهة حرب تشارك فيها، وفق تقارير أممية ودولية، أطراف وشبكات دعم خارجية.
وقد عبرت الحكومة السودانية أمام المجلس بوضوح عن رفضها لتوسيع الحظر، معتبرة أن فرضه على كامل البلاد سيضعف قدرة الدولة والقوات المسلحة على الدفاع عن البلاد، بينما تستمر الجماعات المسلحة في الحصول على السلاح عبر قنوات مختلفة.
وفي المقابل، دفعت الولايات المتحدة والامارات ودول أخرى باتجاه توسيع الحظر، بحجة أن الحرب تجاوزت دارفور وأصبحت تشمل مناطق واسعة من السودان، وأن تدفق السلاح والدعم الخارجي يغذي الصراع.
أين تقف أبوظبي من المشهد؟
هنا تبرز القضية الأكثر حساسية: الدور الإقليمي في تسليح الصراع.
تقارير وتحقيقات دولية وأممية تحدثت عن شبكات إمداد خارجية لمليشيا الدعم السريع، وأشارت تقارير إلى مسارات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا، بينما تنفي أبوظبي اتهامات دعم مليشيا الدعم السريع. كما وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة استمرار الدعم العسكري الخارجي لأطراف النزاع واستخدام أسلحة وطائرات مسيّرة متطورة.
وهنا تظهر المفارقة التي تضع السياسة الدولية أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن الحديث عن تجفيف منابع السلاح في السودان، بينما تستمر الاتهامات بشأن شبكات إمداد عابرة للحدود تصل إلى أحد طرفي الحرب؟
وبدلًا من أن تتحول القضية إلى معالجة مباشرة لشبكات التسليح والتمويل الخارجية، انصب جزء كبير من الجهد الدبلوماسي على محاولة توسيع حظر السلاح ليشمل الدولة السودانية بأكملها.
وهذه هي النقطة التي تثير اعتراض الخرطوم: حظر شامل على بلد يخوض حربًا ضد قوة مسلحة خارج البنية العسكرية للدولة يمكن أن ينتج عمليًا قيودًا على الدولة نفسها، بينما لا يضمن بالضرورة توقف شبكات التهريب والإمداد غير الشرعية.
وماذا عن مشروع بولس؟
برز خلال الأسابيع الماضية اسم المبعوث الأميركي مسعد بولس في جهود الدفع نحو تسوية سياسية وضغط دولي جديد بشأن السودان. وقد ربطت التحركات الأميركية بين وقف الحرب، وقف الدعم الخارجي، وتطوير نظام العقوبات.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى آلية أممية ملزمة اصطدم بخلافات عميقة داخل مجلس الأمن.
روسيا أعلنت بوضوح رفضها توسيع القيود المفروضة على السودان، بينما أبدت الصين تحفظات على تحويل العقوبات إلى بديل عن الدبلوماسية، كما فضّلت دول أخرى الإبقاء على نطاق العقوبات في دارفور بدلًا من توسيعه إلى كامل البلاد.
وهكذا سقطت، في هذه الجولة، محاولة تمرير صيغة أكثر اتساعًا لحظر السلاح.
المليشيا ليست هي الدولة
المعضلة الأساسية التي تطرحها الخرطوم أمام المجتمع الدولي هي أن مساواة الدولة السودانية بمليشيا مسلحة في ملف التسليح تخلق واقعًا غير متوازن.
فحظر السلاح المفروض على دارفور قائم أصلًا منذ سنوات، ويشمل أطرافًا وجماعات مسلحة عاملة في الإقليم. أما توسيعه ليشمل كامل السودان فيعني إدخال القوات الحكومية ضمن نطاق جغرافي أوسع للقيود، وهو ما تعتبره الخرطوم مساسًا بحق الدولة في الدفاع عن نفسها.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن اتساع الحرب يجعل النظام الحالي قديمًا وغير كافٍ، وأن حظر السلاح يجب أن يعكس واقع الحرب الحالية، لا خريطة الصراع التي كانت قائمة عند إنشاء النظام قبل أكثر من عقدين.
الجولة لم تنتهِ
الأهم أن ما حدث اليوم ليس إسقاطًا نهائيًا لفكرة توسيع الحظر.
الولايات المتحدة أعلنت صراحة أن التمديد التقني يمنح الأطراف وقتًا إضافيًا للتفاوض حول تغييرات جوهرية في نظام العقوبات، فيما تؤكد الخرطوم استمرار رفضها لتوسيع الحظر. وبالتالي فإن المعركة انتقلت من التصويت إلى طاولة التفاوض.
وهنا ستكون المعركة القادمة أكثر صعوبة: هل يستطيع السودان وحلفاؤه تثبيت مبدأ عدم مساواة الدولة بالمليشيا؟ وهل يستطيع المجتمع الدولي معالجة مصادر السلاح والتمويل الخارجي بصورة متوازنة؟ وهل تتحول الاتهامات المتعلقة بالدعم الإقليمي إلى إجراءات فعلية ضد شبكات الإمداد، أم يبقى التركيز على أدوات العقوبات العامة؟
قرار اليوم أبقى حظر السلاح في إطاره الجغرافي الحالي، وأجّل محاولة توسيعه إلى كامل السودان. وبذلك حصلت الخرطوم على مساحة زمنية جديدة لإدارة معركتها الدبلوماسية، بينما لم تغلق واشنطن ملف توسيع الحظر.
أما المعركة الحقيقية، فهي أبعد من نص قرار أممي: من يملك حق تسليح الدولة للدفاع عن سيادتها، ومن يملك القدرة على إمداد المليشيات بالسلاح عبر الحدود، ولماذا لا تكون مواجهة شبكات الإمداد الخارجية هي نقطة البداية؟
