د. محمد عثمان عوض الله يكتب: من ينصف الوطن منهم، كيف و متى؟
د. محمد عثمان عوض الله يكتب:
من ينصف الوطن منهم، كيف و متى؟
قيادي أول يقف ضد شعبه و يبرر احتلال منازل المواطنين بواسطة مليشيا متهمة بالابادة الجماعية؟
قيادي ثاني يؤيد و يبرر؟
قيادي ثالث يطلب من جيش بلده الاستسلام للعدو. و يبرر ذلك باستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية؟
قيادي رابع يبرر غزو دولة أجنبية لوطنه و أهله و يدافع عنها و يصف الاتهامات الموجهة اليها بالأدلة المستقلة، بأنها حملات شيطنة.
قيادي خامس يطوف برلمانات العالم مطالبا بحظر استيراد الأسلحة الى جيش بلده و فرض العقوبات و الحصار عليه و حاثا تلك الدول على عدم تصنيف المليشيا المعتدية كمنظمة ارهابية بل و مساواتها بالجيش الوطني؟
قيادات بالجملة تجوب دول العالم لتتهم جيش بلادها بأنه أستخدم اسلحة كيمائية دون أن تقدم دليلا علميا مستقلا واحدا يثبت به هذه الاتهامات.
المرجع القيادي الذي أصبح وزيرا و صرح عبر التلفزيون الرسمي: شاركت في فرض الحصار و العقوبات على بلدي. أعترف و لن أعتذر. هذا و غيره من عشرات الوقائع المثبتة يمكن صياغتها هكذا.
هذا النمط المشترك من السلوك السياسي لقادة تنظيم واحد، يجعلنا نتجاوز الاسماء، وهي معروفة، الى التركيز و البحث عن الرؤية و الاسباب التي جعلتهم يتخذون هذه المواقف الجماعية ضد الدولة و ضد المجتمع.
الذي يميز السلوك السياسي أعلاه هو تحويل الصراع السياسي الداخلي، الى آلة لهدم الدولة و مؤسساتها و شعبها. و الاستعانة بالدول الخارجية لاكمال هذا الهدم. أي أن المعارضة الطبيعية للحكومة تحولت الى مشروع هدم الدولة. و الحق في نقد الجيش تحول الى الدعوة الى استسلامه. و الصراع السياسي الداخلي تحول الى الاستقواء بالخارج. و واجب الدفاع عن المواطنين المدنيين تحول الى تبرير احتلال منازلهم بالسلاح.
هذا السلوك غير طبيعي. اذا فهو شاذ. و هو لم يبقي مرونة و لا فرصة للتواصل. بل أحرق كل جسور التواصل مع الشعب و مع الدولة. إذا هو متطرف.
*حينما يحرق السياسي جسور التواصل مع وطنه و شعبه، ماذا تبقى له؟*
حينما يبرر السياسي احتلال منازل أبناء بلده، و يدعو إلى منع جيش بلاده من القدرة على القتال، و يستنجد بالخارج ضد مؤسسات دولته، و يدافع عن قوة أجنبية غازية ومليشيا مسلحة على حساب شعبه. فإنه هدم كل جسور التواصل و كل خطوط العودة.
الطبيعي هو أن السياسي يحتاج باستمرار الى جسور تربطه مع جمهوره ومجتمعه بل حتى مع خصومه. و يحتاج قبل كل ذلك الى دولة يعمل داخلها و الى حد أدنى من الثقة تسمح له العودة مرة أخرى.
ولكنه عندما يحرق كل هذه الجسور، فهل ترك بعد ذلك لنفسه طريقا للعودة؟ أو هو قادر أو راغب فيها؟
*لماذا هذا التطرف؟*
رغم أنه لايوجد أي مبرر و لا منطق. ومع ذلك علينا دراسة هذه الظاهرة الشاذة و تحليل اسبابها.
أولا اليأس السياسي و فك الارتباط. من الواضح أن المستقبل السياسي لهؤلاء، لم يعد مرتبطا بالسودان. و بالتالي فقد تغيرت عندهم الارتباطات الوجدانية و العاطفية و الحقوق و الواجبات المتعلقة بالوطن و ظهرت عندهم حسابات أخرى من الربح و الخسارة . و هذا ما يفسر انتقالهم الى أقصى درجات التطرف ضد ارتباطاتهم القديمة لصالح مواقف جديدة. العودة الى الوطن لم تعد جزء من حساباتهم.
ثانيا مطلوبات الكفيل أو الحاضنة الجديدة/البديلة.
خاصة المطلوبات المتعلقة بالمواقف السياسية و الفواتير المالية و الاعلامية و التزامات الكفيل الدولية. و مع مرور الوقت تتحول هذه الالتزامات الى قيود لا قدرة على التراجع بعدها. هنا يأتي التشدد و التطرف لإثبات الفائدة و القدرة على أداء الادوار لصالح الكفيل.
ثالثا: المزايدة في سوق التكسب السياسي والمالي. خاصة عندما وجدوا نفسهم أمام سوق دولي للصراعات. وسوق للمنظمات، والمؤتمرات، والإعلام، والتمويل، والتقاطعات الدولية. و السياسي الذي ليس له وزن جماهيري أو رصيد وطني يقدمه. لا يجد أمامه راس مال يتاجر به غير التطرف و الاتهامات و الشتائم و خطاب الكراهية و التضحية بالوطن و المتاجرة بمعاناة الاهل. و تحويلها الى رصيد سياسي جديد يتكسب من خلاله. و أن هذا الرصيد ينفد لحظة التوصل الى حلول وطنية و انتهاء معاناة الشعب. و ذلك ليس من مصلحته.
ومن هنا تبدأ المزايدة في سوق الولاء السياسي: من يتهم أكثر و يبالغ أكثر و يتطرف أكثر، يكسب أكثر.
*التطرف الجماعي*
هذا التكسب أدى الى تنافس داخلي بين هؤلاء القادة. أيهم أكثر تطرفا من الاخرين. لذلك لم نعد نسمع أصوات معتدلة من بينهم؟ لأن الاعتدال سيصبح دليلا على الضعف. و التطرف دليلا على الثبات و الصلابة و التجاوب عبارة عن خيانة. و هكذا يصل هؤلاء القادة بالمزايدة على بعضهم البعض الى أعلى درجاتها. تجد ذلك في حمى تصريحاتهم مثلا عن قرار العفو الذي أصدره البرهان أو عن مخاطبته للجمعية العامة للأمم المتحدة أو عن دعوة لجنة الحوار أو عن القوى المساندة للجيش أو عن من أطلق الطلقة الأولى أو عن سردية الحرب أو عن دور دولة الأمارات… الخ.
اذا كانت الصورة بهذا الوضوح: ترى من ينصف الوطن منهم، كيف و متى؟
