د. وليد جعفر حامد يكتب :
كيف صُمِّمت لغة قحت في معمل حمدوك!
يبدو أن أخطر ما تركه حمدوك في المجال العام ليس موقفًا سياسيًا محددًا، ولا حتى أشخاصًا يمشون على الأرض ويتكلمون، بل لغة كاملة يمكن إتقانها في دقائق؛ لغة مصنوعة بعناية، مصقولة كما تُصقل تقارير المنظمات، ومعقمة كما تُعقَّم أدوات المختبر، وباردة لكنها لا تطفئ حريقًا.
هذه اللغة ليست عربية خالصة، ولا إنجليزية خالصة، ولا حتى ترجمة رديئة بينهما، بل هي لغة قحت في نسختها الحمدوكية الصافية؛ لغة لا تقول نعم، ولا تقول لا، بل تقول شيئًا ثالثًا معلقًا في الهواء. وهي، في النهاية، ليست حديثًا لشعب مكلوم يريد أن يفهم من فعل بنا هذا؟ ولماذا؟
في لغة الناس العاديين توجد كلمات واضحة، الفشل، الكذب، التواطؤ، الضعف، التبعية، الخطأ، الكارثة. أما في لغة قحت المصممة على يد حمدوك، فهذه الألفاظ تُعد بدائية وحادة ولا تليق بما يسمونه “الانتقال الديمقراطي”، ولذلك استُبدلت بمفردات أكثر نعومة، فالفشل صار “تحديًا بنيويًا”، والعجز صار “تعقيدًا موضوعيًا”، والتبعية صارت “شراكة مع المجتمع الدولي”، والاستقواء بالخارج صار “الاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي”، والهروب من الحقيقة صار “التمسك بخطاب غير استقطابي”، أما قول الأشياء بوضوح فصار عندهم نوعًا من الشعبوية الفظة التي لا تليق بالنخبة المهذبة.
ومن هنا يمكن فهم أن لغة قحت لم تُصمَّم لكي تُفهِمك، بل لكي تُرهقك. هي لغة إذا سمعتها خمس دقائق خرجت منها وأنت لا تدري، هل الرجل مع الشيء أم ضده؟ هل أدان أم لم يُدِن؟ هل اعتذر أم التفّ؟ هل قال موقفًا أم قدّم لك “إطارًا مرجعيًا” للهروب من الموقف؟ إنها لغة لا تنتج معنى، بل تنتج ضبابًا. وإذا كان السياسي العادي يضللك بالكذب، فإن السياسي الحمدوكي يضللك بالمصطلح.
خذ مثلًا هذه العبارة القحتية النموذجية، “نؤكد على أهمية بناء أكبر قدر من التوافق المدني بين أصحاب المصلحة بما يضمن عملية سياسية شاملة لا تقصي أحدًا وتؤسس لانتقال مستدام.” هذه الجملة، في ظاهرها، تبدو عظيمة، وقد تهز رأسك إعجابًا بها، لكن لو أمسكتها من رقبتها وسألتها، من هم أصحاب المصلحة؟ وما معنى لا تقصي أحدًا؟ وما المقصود بالعملية السياسية الشاملة؟ وما هو الانتقال المستدام؟ فلن تجد شيئًا. مجرد كلمات ملساء متجاورة، كأنها أثاث فاخر في شقة بلا سكان.
ولغة قحت، في نسختها الحمدوكية، لها قدرة عجيبة على تنظيف المواقف القذرة بالمفردات اللامعة. فإذا أرادوا التملص من موقف أخلاقي واضح قالوا، “نحن ضد الاستقطاب”. وإذا أرادوا ألا يسموا الفاعل قالوا، “ندين كل أشكال العنف”. وإذا أرادوا تمييع جريمة قالوا، “الأزمة معقدة ولا تحتمل التبسيط”. وإذا أرادوا الاستجداء الخارجي في ثوب أنيق قالوا، “نطالب المجتمع الدولي بلعب دور أكثر فاعلية”. وإذا انكشف عليهم التناقض قالوا، “مواقفنا تم اجتزاؤها خارج سياقها”. كأن السياق عندهم ليس شرحًا للكلام، بل مغسلة يدخلها التصريح متهمًا ويخرج منها بريئًا.
والأعجب من ذلك أن هذه اللغة لا تعترف أصلًا بأن الشعب يفهم السياسة من حياته اليومية. هي تفترض دائمًا أن المواطن كائن ساذج وانفعالي، يحتاج إلى مترجم أممي يشرح له ما يجري في بلده. فإن غضب الناس قالوا، “علينا تفهّم المخاوف”. وإن طالبوا بموقف واضح قالوا، “لا بد من خطاب مسؤول”. وإن صرخوا من الألم قالوا، “يجب تجنب اللغة العاطفية”. وكأن المطلوب من السوداني، بعد كل ما رأى، ألا يغضب، وألا يسمي الأشياء بأسمائها، وألا يرفع صوته، بل أن يجلس مؤدبًا ليستمع إلى محاضرة طويلة عن “الحوكمة” بينما السقف ينهار فوق رأسه.
إن حمدوك، في المخيال القحتي، لم يعد مجرد رجل؛ لقد صار مدرسة في الأسلوب. صار مهندسًا لبلاغة كاملة تقوم على مبدأ بسيط، إذا كانت الحقيقة موجعة فغطِّها بمصطلح. إذا كان الموقف مخزيًا فضعه في قالب مؤسسي. إذا كانت الخيانة محرجة فأدخلها قاعة مؤتمر وقل عنها، “رؤية جديدة للانخراط الدولي”. إذا كان الشعب غاضبًا فاتهمه بأنه أسير خطاب الكراهية. وإذا كان السؤال مباشرًا فأجب عنه بفقرة تصلح أن تُطبع على لوحة في ورشة ممولة.
ولهذا صارت لغة قحت، كما صممها حمدوك، أشبه ببرنامج للتهرب الذكي. تدخل إليه الكلمة الواضحة، فتخرج منه نسخة منزوعة الدسم. “الاستسلام” يدخل، فيخرج “حلًا تفاوضيًا”. “الضعف” يدخل، فيخرج “مرونة سياسية”. “التبعية” تدخل، فتخرج “شراكة دولية”. “الخذلان” يدخل، فيخرج “إعادة تموضع”. “لا نعرف ماذا نفعل” تدخل، فتخرج “نحن بصدد تطوير رؤية متكاملة متعددة المسارات”.
هي نفس الجمل الطويلة التي تبدأ من “في هذا السياق” ولا تنتهي إلا وقد نسيت السؤال. نفس الحزن المصطنع. نفس الوقار المعلب. نفس الإحساس بأن المتحدث لا يخاطب شعبًا، بل لجنة تقييم مانحين. كأن السياسة لم تعد شأن وطن، بل عرض باوربوينت يجب أن يبدو احترافيًا، ولو كانت البلاد كلها خارج الشاشة.
ولهذا فإن أول خطوة لفهم الطلاسم الحمدوكية هي ألا تنبهر بالعبارة الطويلة. كلما سمعت مفردات من هذا النوع فضع يدك على جيب المعنى، لأن هناك من يحاول سرقته. وكلما رأيت جملة أنيقة أكثر من اللازم، مهذبة أكثر من اللازم، متوازنة أكثر من اللازم، فاعلم أن وراءها، في الغالب، حقيقة قبيحة جرى تعطيرها بفرنسية المنظمات، وإنجليزية التقارير، وعربية حمدوك.
لغة قحت كما صممها حمدوك هي من أكبر محاولات السياسة السودانية لتحويل الغموض إلى فضيلة، والتردد إلى حكمة، والتبعية إلى نضج، والهروب من الحقيقة إلى خطاب مسؤول. إنها لغة لا تقوم على المعنى، بل على الخداع المهذب. لغة إذا فهمتها ضحكت، وإذا صدقتها ضعت، وإذا ترجمتها للناس اكتشفت أن نصفها فراغ، والنصف الآخر استجداء مكسو بربطة عنق.














Leave a Reply