قمة العلمين و خريطة الأمن الجديد
✍🏾 د. إبراهيم شقلاوي
يشارك رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، اليوم الأحد، في قمة العلمين التشاورية التي تجمع السودان ومصر وإريتريا والصومال، لبحث التطورات الإقليمية ومصالح الأمن المشترك. وتأتي القمة في توقيت حساس، مع تصاعد التوتر الإثيوبي – الإريتري وتجدد القتال في تيغراي، بالتزامن مع عمليات عسكرية في النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، ما يمنح القمة أهمية تتجاوز التشاور السياسي إلى خريطة الأمن الإقليمي.
لكن أهمية زيارة البرهان تكمن في التوقيت الذي تجري فيه القمة. فالمشهد الإقليمي يتحرك بسرعة، وخطوط الأمن التي كانت تبدو منفصلة بدأت تتقاطع ، الحرب في السودان، والتوتر الإثيوبي – الإريتري، وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كلها أصبحت أجزاء من معادلة المنطقة.
لذلك لا تبدو قمة العلمين اجتماعًا عاديا في توقيت عادي. فالرئاسة المصرية أعلنت أنها قمة تشاورية للتنسيق حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، لكن قراءة ما وراء السطور تقول إن الاجتماع يأتي في لحظة معقدة، يعاد فيها ترتيب البيئة الأمنية للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، بينما تتقاطع عدة أزمات في نقطة واحد، السودان إثيوبيا، امن المنطقة .
ففي إثيوبيا عاد القتال إلى تيغراي منذ أواخر سبتمبر، في أخطر تصعيد منذ حرب 2020–2022، واستعادت القوات الحكومية السيطرة على مطار ميكيلي، فيما تتزايد المخاوف من تحول المواجهة الداخلية إلى صراع إقليمي . ولم يعد الخلاف إثيوبيًا داخليًا، بالنظر الي قطع أديس أبابا علاقاتها الدبلوماسية مع إريتريا، واتهمت أسمرا، إلى جانب السودان ومصر، بدعم التحالف المعارض، وهي اتهامات تنفيها الأطراف المعنية.
لكن التطور الأكثر أهمية بالنسبة للسودان يحدث على الضفة الأخرى من ولاية النيل الأزرق . ففي الأيام الأخيرة تصاعدت العمليات العسكرية قرب الحدود، وأعلن الجيش السوداني أمس استعادة منطقتي مينزا وباشكركد ووجهه ضربة قاضية لمليشيا الدعم السريع بحسب المصادر . وتؤكد التطورات، أن هذه الجبهة لم تعد هامشًا في الحرب السودانية ، بل أصبحت واحدة من أكثر مناطقها حساسية بحكم موقعها الحدودي.
وهنا تكمن أهمية قمة العلمين، إنها تنعقد بينما تقاطع ثلاثة خطوط أمنية، الحرب السودانية، والصراع الإثيوبي–الإريتري، وأمن البحر الأحمر.
لذلك فإن التعامل مع النيل الأزرق باعتباره مجرد جبهة عسكرية داخل الحرب السودانية سيكون قراءة ناقصة. فالمنطقة تقع عند تقاطع حدودي بالغ الحساسية، وأي تغير في موازين القوة فيها ينعكس على إثيوبيا، كما أن أي اضطراب داخل إثيوبيا ستكون له تداعيات على السودان، سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا. وحين تتزامن هذه التطورات مع التوتر حول اصرار إثيوبيا علي الوصول إلى البحر الأحمر، فإن الجغرافيا تتحول إلى سياسة.
ومن هنا يمكن فهم اختيار دول قمة العلمين: مصر السودان وإريتريا والصومال، فهي تقع على امتداد منظومة تبدأ من النيل والحدود السودانية، وتمتد عبر البحر الأحمر إلى باب المندب وخليج عدن. وتكتسب مصر أهمية خاصة باعتبارها مسارًا بديلًا للنفط السعودي عبر البحر الأحمر إلى المتوسط، بعيدًا عن تهديدات الحوثيين، بينما يمثل السودان وإريتريا والصومال عمقًا جغرافيًا وأمنيًا لحماية البحر الأحمر وممراته الحيوية.
بالنسبة للخرطوم، يجب أن تكون قمة العلمين فرصة للانتقال من موقع المتأثر بالأحداث إلى موقع الشريك في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي، عبر تثبيت أن سيادته ووحدة أراضيه وأمن حدوده جزء من أمن المنطقة، وأن أمن البحر الأحمر يبدأ من أمن السودان. ويكتسب إقليم النيل الأزرق أهمية خاصة باعتباره نقطة تماس مع إثيوبيا وإريتريا، ما يستدعي ترتيبات إقليمية تمنع تدفق السلاح والمقاتلين، وتحد من أي تحركات عابرة للحدود.
ويمكن المقاربة مع اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان الذي كشف عن تحوّل واضح في المنطقة. الدول لم تعد تكتفي بالتنسيق السياسي، بل تبحث عن ترتيبات تحمي مصالحها وأمنها بقدراتها وشراكاتها. وهذا يعني أن السودان لديه الفرصة في الذهاب في ذات الإتجاه بما يحمي مصالحه من خلال المشاركة في صياغة قواعد أمن محيطه، وألا سيجد نفسه خاضعًا لترتيبات يصنعها الآخرون. لذلك يحتاج السودان إلى رؤية واضحة لأمن البحر الأحمر تحمي سيادته وحدوده، تمنع التدخلات، تؤمّن الممرات البحرية، وتجعل الأمن مدخلًا للاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.
وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن قمة العلمين وخريطة الأمن الجديد تضع البلاد أمام حقيقة لا تحتمل التأجيل، موقعها بين وادي النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر لم يعد مجرد ميزة جغرافية، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. لذلك، لا ينبغي أن يكتفي السودان بأن يكون موضوعًا في حسابات الآخرين، بل أن يحول موقعه إلى دور، وسيادته إلى موقف، وحدوده إلى مسؤولية إقليمية مشتركة. فالخريطة الجديدة تُرسم الآن، والسياسة الحقيقية أن يكون السودان شريكًا في رسمها، لا ساحةً لتداعياتها.
دمتم بخير وعافية
الأحد 4 أكتوبر 2026م.
