3 أكتوبر

بين أعراف المؤسسة ورهانات السياسة: ما الذي يخشاه البرهان في ملف علاج البشير؟

شاهد عيان أكتوبر 3, 2026
شارك الخبر:

د. إسماعيل الحكيم
يتابع الشارع السوداني بقلقٍ بالغ وترقُّبٍ محفوف بالأسئلة المشروعة ما يحوم حول حِمى الحالة الصحية للرئيس السابق المشير عمر حسن أحمد البشير. ورغم النظرات المتفاوتة التي قد يحملها الشارع إزاء تجربته السياسية طويلة المدى، إلا أن هناك رأياً عاماً عريضاً يرى بوضوح أن الرجل—في هذه اللحظة الإنسانية الفاصلة—لا يستحق هذه المعاملة القائمة على المماطلة والتجاهل، وأن من حقه الدستوري والإنساني، كقائد وكمواطن، أن يتلقى الرعاية الطبية الكاملة بما في ذلك السماح له بالسفر خارجياً إذا استدعى طبُّ حالته ذلك.
إن صمت الفريق أول عبد الفتاح البرهان وعدم استجابته للنداءات المتكررة التي أطلقها عشرات الصحفيين وكتاب الأعمدة وأطباء المؤسسة العسكرية، لا يُمكن قراءته كإجراء روتيني أو تقدير سيادي عادي ، ولكنه إثباتٌ جليّ على أن وراء هذا الصمت أمراً عظيماً وتقاطعاتٍ شديدة الحساسية تُلقي بظلالها على المشهد برُمّته. غير أن الوجدان الوطني يفرض سؤالاً عريضاً ومؤلماً: مما يخاف البرهان؟ ومن يسترضي على حساب صحة قائدٍ عسكري سبق أن جالس السيادة لثلاثة عقود؟
لقد استقرت القوات المسلحة السودانية عبر تاريخها الطويل على أعرافٍ صارمة وتقاليد راسخة تأنف من الفجر في الخصومة، وتضع شرف العسكرية وتراتبية الرتب فوق الحزازات السياسية العابرة. ولعل التقدير التاريخي الذي أظهره المشير البشير نفسه تجاه المشير جعفر نميري يظل شواهد حية في ذاكرة الجيش؛ فعلى الرغم من أن انقلاب مايو 1969 أحدث قطوعات سياسية واجتماعية عميقة، إلا أن البشير—من واقع الانتماء الأصيل للمؤسسة وأعرافها—أنهى منفى النميري، وأعاده إلى أرض الوطن معززاً مكَرّماً، ووفر له العيش الكريم والرعاية الصحية والامتيازات البروتوكولية التي تليق برئيس أسبق وقائد أعلى للقوات المسلحة.
تلك الروح العسكرية العريقة، التي جعلت أبناء المؤسسة يحترمون بعضهم في الملمّات، هي ما يفتقده الرأي العام اليوم وهو يشاهد الصمت المريب أمام ملف علاج البشير، متسائلاً بمرارة عن السر الذي جعل القيادة الحالية تتجاوز تقاليد شرف العسكرية التي تحفظ رتب القادة وسابقتهم في القيادة. وما يزيد من عمق هذا التساؤل أن الموقف الشهير للفريق أول عمر زين العابدين—عقب التغيير مباشرة—حين أعلن بثبات رفض تسليم البشير للجنائية الدولية بلسان يمثل الوجدان السوداني العشائري والوطني، كان قد رسم معياراً أخلاقياً وسياسياً يرى أن الحساب داخلي، وأن كرامة الوطن متصلة بكرامة من جلسوا على سدة حكمه. وما بين ذاك الموقف الصلب، وحال البشير المريض اليوم، يتساءل الشارع: هل تخلت القيادة عن ذاك المبدأ الأصيل تحت وطأة التوافقات والتنازلات السياسية؟
إن سبر غور هذا الصمت يتطلب نفوذاً إلى الأبعاد غير المنظورة التي تحكم حركة القرار في القيادة؛ إذ يدرك البرهان تماماً أن ملف البشير يرتبط بملفات دولية شائكة، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية. فهو يخشى في رأي أن تُقرأ أي خطوة لإرسال البشير للعلاج بالخارج كتهريب مدروس أو تراجع عن التزامات سابقة، مما قد يجلب على قيادة الجيش غضباً غربياً وإقليمياً هو في غنى عنه، خاصة في ظل مرحلة حرجة تحتاج فيها الدولة لتغطية سياسية ودبلوماسية. وبذلك يبدو أن البرهان يقع تحت ضغط استرضاء عواصم خارجية اشترطت دعمها أو حيدتها بالامتثال لخطوطها الحمراء حيال هذا الملف تحديداً.
يضاف إلى ذلك خشية البرهان الحقيقية من الموازنات الداخلية؛ إذ يخشى أن يُحسب قرار خروج البشير كإشارة سياسية تُقرأ على أنها صفقة مع التيار الإسلامي أو أركان النظام السابق، مما قد يستفِز أطرافاً مدنية وسياسية تترصد كل حركة للقيادة العسكرية. وهو في سبيل الإمساك بعصا التوازنات من المنتصف، يقدم التكلفة الإنسانية والعسكرية كقربان لتهدئة تلك التجاذبات. ناهيك عن الخوف السائد في العرف السياسي من رمزية وجود القادة السابقين خارج الحدود؛ حيث يمثل وجودهم داخل البلاد وتحت أنظار وأدوات القوات المسلحة حداً للسيطرة وضماناً لعدم تشكُّل مراكز ثقل إعلامية وسياسية بعيدة عن أجهزة التحكم والاحتواء.
إن الرأي العام السوداني لا ينظر إلى قضايا علاج القادة السالفين بعين التشفي أو الانتقام، وإنما يزنها بميزان الأخلاق والنخوة المترسخة في الوجدان الجمعي، وبأعراف العسكرية السودانية التي تحمي أبناءها وقادتها مهما اختلفت أمواج السياسة. وإن استمرار صمت البرهان يضع القيادة العسكرية أمام امتحان تاريخي وفكري أخلاقي: هل تسود الحسابات السياسية ومحاولات استرضاء الخارج والداخل على حساب الصحة والمروءة، أم تفرض التقاليد السودانية والعسكرية قيمها الحقيقية في هذه اللحظة الحاسمة؟

مواضيع ذات صلة