الناس كتب… فلا تقرأ كل الصفحات !
شاهد عيان
سبتمبر 17, 2026
جميل أن تتصفح الناس كما تتصفح كتاباً، لا تستعجل الحكم على الغلاف، ولا تنشغل بكل سطر، ولا تمنح كل صفحة من وقتك واهتمامك ما لا تستحق، فبعض الناس كتابٌ يفتح لك نوافذ من الضوء، وبعضهم صفحة وجدتها لا تستوقفك، وبعضهم حاشية لا معنى لها، وبعضهم كتابٌ أُغلق منذ الصفحة الأولى لأنك أدركت أن مواصلة القراءة إضاعة للوقت
في الحياة ستقابل كثيرين، منهم من يجعلك تحمد الله على وجوده في حياتك، ومنهم من يجعلك تتساءل: كيف مرّ هذا الشخص من هنا؟! وستكتشف أن أجمل ما يمكن أن تفعله أحياناً ليس أن ترد، ولا أن تجادل، ولا أن تشرح نفسك، وإنما أن تقلب الصفحة بهدوء وتمضي
توقف عند الأجمل… عند الإنسان الذي يشبه المطر حين يأتي بعد طول عطش، وعند الصديق الذي لا تحتاج معه إلى شرح كثير، وعند القلب الذي يعرف وجعك من نبرة صوتك، وعند من يفرح لفرحك دون أن يبحث عن نصيب له من هذا الفرح، هؤلاء لا تُقرأ صفحاتهم على عجل، لأن بعض الكتب الجميلة كلما أعدت قراءتها اكتشفت فيها معنى جديداً
أما السخيف، فلا تمنحه أكثر مما يستحق ، بعض الصفحات لا تحتاج إلى نقد، ولا إلى حاشية، ولا حتى إلى علامة تعجب… يكفي أن تتجاوزها
والسيئ؟ اتركه ليس كل كتاب سيئ يستحق أن تضيع عمرك في محاولة إصلاحه، وليس كل إنسان مؤذٍ يستحق أن تمنحه فرصة جديدة ليؤذيك بالطريقة ذاتها
هناك أشخاص يكون الابتعاد عنهم علاجاً، والصمت تجاههم حكمة، وإغلاق الباب خلفهم راحة لا تقدر بثمن ، تعلم أن الناس ليسوا سواء، وأن القلوب أيضاً لها طبعات مختلفة، هناك قلبٌ فاخر الطباعة، واضح الحروف، لا يحتاج إلى كثير من الشرح، وهناك قلوبٌ باهتة الحبر، مهما قرأت فيها لا تجد شيئاً يستحق أن تتذكره
ولا تحزن إذا خرج أحدهم من كتاب حياتك، بعض الأشخاص كانت مهمتهم أن يكونوا فصلاً، لا أن يكونوا الكتاب كله وبعضهم جاء ليعلمك درساً، لا ليبقى معك إلى آخر السطر وبعضهم كان وجوده اختباراً لصبرك، ثم انتهى الاختبار وانتهى معه كل شيء
الحياة أقصر من أن تقرأ كل الكتب حتى نهاياتها، اختر ما تقرأ، ومن تقرأ، ومتى تضع الكتاب جانباً، فالوقت الذي تهدره في صفحات لا تستحق، كان يمكن أن تقرأ فيه صفحة جميلة من إنسان يستحقك
وأجمل ما في النضج أنك لا تعود مضطراً إلى تفسير كل شيء، تعرف من يستحق القرب، ومن يستحق السلام، ومن يستحق التجاهل، ومن يستحق أن تقول له من أعماق قلبك: شكراً لأنك كنت صفحة جميلة في كتابي
وفي النهاية… لا تجعل كتاب حياتك مزدحماً بكل من مروا بك. اترك فيه مساحة للذين أحببوك بصدق، للذين وقفوا معك حين مال كل شيء، للذين حفظوا غيابك كما حفظوا حضورك، وللذين لم تتغير قلوبهم عندما تغيرت ظروفك.
إني من منصتي أنظر… حيث أري….. أن الحياة كتاب طويل، لكن العمر قصير، لذلك سأقرأ الجميل حتى أبتسم، وأتجاوز السخيف حتى لا أتعب، وأغلق الكتاب السيئ حتى لا يؤذيني، وأحتفظ في مكتبتي الخاصة بالقلوب التي كانت يوماً أجمل ما قرأت.
