15 سبتمبر

البلطجة الأمريكية، من أعطى واشنطن حق معاقبة العالم؟

شاهد عيان سبتمبر 15, 2026
شارك الخبر:

د. حيدر البدري.
نقطة سطر جديد..
….
بأي حق تستطيع الولايات المتحدة أن تفرض عقوباتها على دول وشركات ومصارف وأفراد في أنحاء العالم، حتى عندما لا تكون تلك العقوبات صادرة عن مجلس الأمن الدولي؟

السؤال ليس إنشائياً. فواشنطن تملك منظومة قانونية وأوامر تنفيذية تتيح لها فرض عقوبات خارج حدودها، ثم استخدام ثقلها الاقتصادي لإجبار مؤسسات ودول أخرى على الالتزام بها. وهنا تكمن المفارقة: قانون أمريكي، لكن كلفته قد تصل إلى أطراف لا تخضع أصلاً للقانون الأمريكي.

العقوبات التي تصدر عن الأمم المتحدة تختلف عن ذلك. فعندما تُفرض بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تكون ملزمة للدول الأعضاء. أما العقوبات الأمريكية فتديرها مؤسسات أمريكية، أبرزها وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، إلى جانب وزارة الخارجية وأجهزة أخرى.

تبدأ العقوبة بإدراج شخص أو شركة أو مصرف في قائمة أمريكية، فتُجمّد الأصول الخاضعة للاختصاص الأمريكي ويُحظر على الأمريكيين التعامل مع الجهة المستهدفة. لكن التأثير قد يتجاوز ذلك بكثير. فالعقوبات الثانوية تستطيع تهديد مؤسسات أجنبية إذا تعاملت مع جهات معاقبة، وقد يصل الأمر إلى تقييد وصولها إلى النظام المالي والسوق الأمريكية.

وهنا يصبح الدولار عاملاً حاسماً.

الدولار ليس مجرد العملة الوطنية للولايات المتحدة، بل ما يزال العملة الرئيسية في الاحتياطيات والمعاملات المالية العالمية. ووفق صندوق النقد الدولي، بلغت حصته من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية 57.1% في الربع الأول من عام 2026. هذه المكانة تمنح واشنطن نفوذاً مالياً يتجاوز حدودها الجغرافية.

المصرف الأجنبي يستطيع نظرياً رفض عقوبة أمريكية لا تلزمه قانوناً، لكن الحسابات العملية مختلفة. تحدي واشنطن قد يعني خسارة علاقات مصرفية، أو صعوبة في إجراء معاملات بالدولار، أو فقدان الوصول إلى السوق الأمريكية. ولذلك قد يجد مصرف أجنبي نفسه أمام خيار صعب: صفقة محدودة مع جهة معاقبة، في مقابل المخاطرة بعلاقاته مع النظام المالي الأمريكي.

روسيا تقدم المثال الأوضح. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات واسعة على المصارف والشركات والأفراد الروس، وجُمّدت أصول واحتياطيات روسية في الخارج. ولم تكن الرسالة موجهة إلى موسكو وحدها؛ فقد أدركت دول أخرى أن الخروج عن السياسة الأمريكية والغربية يمكن أن تكون له كلفة مالية كبيرة.

لكن سلاح العقوبات يحمل مفارقة أخرى. فروسيا والصين ودولاً أخرى تعمل على توسيع التعامل بالعملات الوطنية، وتنويع الاحتياطيات، وبناء بدائل لشبكات الدفع الغربية. ومع ذلك، فإن التخلص من هيمنة الدولار ليس قراراً سياسياً سريعاً؛ فهو يحتاج إلى أسواق مالية عميقة، وثقة دولية، ومؤسسات مستقرة، وبنية مالية قادرة على منافسة النظام القائم.

ومع مرور الوقت، قد تصبح العقوبات نفسها أحد العوامل التي تدفع العالم إلى تقليل اعتماده على الدولار. فكلما تحولت العملة الدولية إلى أداة ضغط سياسي، ازدادت دوافع الدول للبحث عن بدائل.

واشنطن لم تحصل على تفويض أممي يجعلها «شرطي العالم». قوتها جاءت من اقتصاد ضخم، وسوق واسعة، ونفوذ سياسي، ونظام مالي يحتل الدولار مركزه.

لذلك فالسؤال الأهم ليس: هل تستطيع أمريكا فرض العقوبات؟ بل: متى يستطيع العالم أن يقول «لا» للعقوبة الأمريكية دون أن يخشى أن يُغلق في وجهه باب الدولار؟.
نقطة سطر جديد.

مواضيع ذات صلة