8 سبتمبر

حمد الكواري والسودان… حين تكتب المودة شهادتها للتاريخ

شاهد عيان سبتمبر 8, 2026
شارك الخبر:

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

حمد الكواري والسودان… حين تكتب المودة شهادتها للتاريخ

ليست كل الكتابات عن الأوطان سواء؛ فبعضها تصنعه المعرفة، وبعضها تفرضه السياسة، وبعضها يأتي من مكان أعمق، حيث تمتزج الذاكرة بالتجربة، والمعرفة بالمودة، والموقف الإنساني بوعي التاريخ. ومن هذا المكان تحديداً كتب الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وزير الثقافة القطري السابق، بتاريخ 30 أغسطس 2026م، مقاله البديع «السودان متى يستعيد عافيته؟».

قرأت المقال، فلم أجدني أمام كاتب قطري يتأمل مأساة بلد عربي من بعيد، وإنما أمام شاهد على عقود طويلة من الصلات الإنسانية والثقافية والدبلوماسية بين السودان وقطر؛ رجل عرف السودانيين، وعمل معهم، وصادق رموزهم، وزار بلادهم، واحتفظ للسودان في ذاكرته بمكان ظل عصياً على تقلبات السياسة وتبدل المواقف.

ولهذا يستحق الدكتور حمد الكواري الشكر والتقدير، فقد كتب عن السودان في زمن يحتاج فيه السودانيون إلى الكلمة المنصفة بقدر حاجتهم إلى المواقف الداعمة. والأجمل أنه لم يكتب مرثية لبلد أنهكته الحرب، وإنما قدم شهادة ثقة في قدرته على النهوض، وأعاد التذكير بحقيقة ربما تحجبها صور الخراب: أن السودان لم يفقد مقومات عافيته، وأن التحدي الأكبر يكمن في جمع تلك المقومات داخل دولة قوية ومستقرة.

وتتضاعف قيمة هذه الشهادة بتوقيتها؛ فهي تأتي والسودان يمر بواحدة من أقسى لحظات تاريخه الحديث، وقد ازدحمت صورته في الخارج بأخبار الحرب والنزوح والدمار حتى كادت المأساة تحجب البلد نفسه. وفي مثل هذه الأزمنة تكتسب شهادة من عرف السودان قبل الحرب أهمية خاصة، لأنها تعيد تقديمه للعالم خارج صورة الضحية؛ وطناً له تاريخ وموارد وثقافة وإنسان، وبلداً يملك من أسباب النهوض أكثر مما توحي به صور الخراب العابر.

وتكتسب شهادة الكواري قيمة إضافية من سيرته؛ فهو أحد الوجوه العربية التي جمعت بين الدبلوماسية والثقافة والعمل العام، وعاصر مراحل مهمة من بناء الدولة القطرية الحديثة، وكانت للسودانيين في تلك المسيرة بصمات يذكرها أهل قطر بوفاء ويعتز بها أهل السودان.

فقد أشار إلى محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، الذي كان أول خبير تستعين به الخارجية القطرية بعد تأسيسها، وإلى الشاعر والدبلوماسي السوداني صلاح أحمد إبراهيم الذي عمل معه في باريس، وكان له، كما قال، أثر في تجربته الدبلوماسية والثقافية.

ويأتي الطيب صالح في مقدمة الأسماء التي صنعت جسراً ثقافياً بين البلدين. فهذا الأديب السوداني الكبير لم يحمل إلى قطر أدبه وحده، وإنما حمل شيئاً من روح السودان، وأسهم في مسيرة الإعلام والثقافة ومجلة «الدوحة»، حتى أصبح حضوره جزءاً من ذاكرة الثقافة العربية التي احتضنتها قطر.

كما يكشف حديث الدكتور الكواري عن الرئيس الراحل المشير عبدالرحمن سوار الذهب، وعن الدكتور حسن الترابي، والرئيس عمر البشير، وعن المثقفين والدبلوماسيين السودانيين الذين عرفهم، مقدار التشابك الإنساني بين تاريخ الرجل وتاريخ السودان. وهو ما يفسر ذلك الألم الذي يتسلل بين سطور مقاله وهو يرى بلداً عرفه عامراً بالثقافة والتنوع والأمل وقد أثخنته الحرب.

ويمكن أن نقرأ في هذه الأسماء نموذجاً لأجيال من السودانيين الذين أسهموا في مسيرة قطر الحديثة، في التعليم والإدارة والصحة والإعلام والهندسة والقضاء والدبلوماسية وغيرها من المجالات. وقد تشكل عبر العقود حضور سوداني مهني وإنساني ترك أثراً طيباً، مثلما وجد السودانيون في قطر مجتمعاً حفظ لهم الود، وقدّر فيهم الكفاءة والأمانة وحسن المعشر. وهكذا تجاوزت العلاقة بين البلدين حدود المؤسسات والحكومات إلى علاقة ناس بناس، ومودة عبرت الأجيال واستقرت في الوجدان.

وفي تجربة السودانيين في قطر وغيرها من البلدان العربية معنى يستحق التأمل اليوم؛ فالشعب الذي أسهم أبناؤه في بناء مؤسسات التعليم والصحة والإدارة والهندسة والإعلام خارج وطنهم، يملك القدرة على إعادة بناء مؤسساته في الداخل. ويحتاج السودان بعد الحرب إلى استعادة هذه الطاقة الموزعة في المهاجر والمنافي، وتحويل خبراتها وعلمها وصلاتها بالعالم إلى قوة لإعادة الإعمار. فإعمار السودان يتجاوز الحجر إلى استعادة الإنسان السوداني نفسه، وإعادة الثقة إليه، وفتح أبواب الوطن أمام علمه وخبرته وحلمه.

وفي الاتجاه الآخر، ظل لقطر في السودان حضور مقدر في العمل الإنساني والتنموي والثقافي، وفي دعم السلام والإعمار وحماية التراث. وكانت لها أدوار معروفة في دارفور، وفي جهود السلام والتنمية التي ارتبطت بوثيقة الدوحة، فضلاً عن مشروعات امتدت إلى التعليم والصحة والإغاثة والمياه والآثار. وقد عبرت استضافة الدوحة لمسار سلام دارفور وما بذلته فيه من جهد سياسي وتنموي عن رغبة قطرية في تحويل المودة التاريخية إلى عمل على الأرض. ويمكن أن تختلف القراءات حول نتائج تجارب السلام، ويبقى ما بذلته قطر للسودان جزءاً مقدراً من سجل العلاقة بين البلدين.

ولعل المشروع القطري–السوداني للآثار واحد من أجمل الشواهد على عمق هذه العلاقة؛ لأنه توجه إلى ذاكرة السودان نفسها، إلى حضاراته وآثاره وكنوزه التي تحكي تاريخ آلاف السنين. وقد ارتبط المشروع بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي عرف السودانيون له مودته لبلادهم واهتمامه بقضاياها، فكان المشروع استثماراً في ذاكرة السودان الحضارية بقدر ما كان عملاً ثقافياً وأثرياً.

كما ظل السودان حاضراً في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واستمرت قطر في مواقفها الإنسانية وصلاتها مع السودان في أصعب الظروف. وهذه المواقف تحفظها ذاكرة الشعوب؛ فالسياسة قد تتبدل تفاصيلها، أما المودة الصادقة فتملك عمراً أطول من الحكومات والأحداث.

وربما تفتح تجربة قطر نفسها باباً آخر للتأمل. فهذه الدولة، على محدودية مساحتها وعدد سكانها، استطاعت خلال عقود أن تحول ما تملكه من موارد وإمكانات إلى مؤسسات وبنية حديثة وتعليم وإعلام وثقافة ودبلوماسية وحضور يتجاوز حدود الجغرافيا. والمقصود هنا استخلاص درس في بناء الدول، مع إدراك اختلاف الظروف والتجارب والتكوين بين البلدين: فقيمة الموارد الحقيقية تبدأ عندما تستطيع المؤسسة تحويلها إلى قوة وطنية مستدامة.

وهنا تبدو المفارقة السودانية أكثر إيلاماً؛ فالسودان يمتلك مساحة شاسعة، وأرضاً زراعية ومياهاً وثروة حيوانية ومعدنية، وموقعاً استراتيجياً، وعمقاً حضارياً، ورصيداً بشرياً مشهوداً له داخل البلاد وخارجها. ومع ذلك ظل عاجزاً، عبر مراحل طويلة، عن جمع هذه المزايا داخل مشروع دولة يحول الإمكانات إلى إنتاج، والثروة إلى تنمية، والموقع إلى نفوذ، والتنوع إلى قوة. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا بعد الحرب يتجاوز تعداد ما نملك إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نبني الدولة القادرة على إدارة ما نملك؟

وأحسب أن من أجمل ما في مقال الكواري رفضه النظر إلى السودان بوصفه بلداً محكوماً بالمأساة. فالسودان الذي عرفه، والذي نعرفه نحن، أقدم وأعمق من الحرب الراهنة؛ بلد كوش ونبتة ومروي، بلد النيل والبحر الأحمر والسهول الواسعة والثروات الهائلة، وبلد الطيب صالح ومحمد أحمد المحجوب والتجاني يوسف بشير ومحمد وردي، وآلاف المبدعين والعلماء الذين حملوا السودان معهم أينما ذهبوا.

أما جوهر المقال، فهو ذلك الدرس الذي ينبغي أن نتوقف عنده طويلاً: الدولة لا تحتمل جيشين. وهي عبارة تختصر جانباً كبيراً من المأساة السودانية. فالدولة التي تسمح بنمو قوة عسكرية موازية لمؤسساتها تضع بذرة صراع مؤجل داخل جسدها، وحين تمتلك تلك القوة المال والسلاح والمصالح والامتدادات الخارجية، يصبح انفجارها مسألة وقت وظروف.

ويتصل بذلك درس آخر لا يقل أهمية: أن ضعف الدولة يستدعي الخارج. فالأوطان حين تتشقق من الداخل تجد المصالح الإقليمية والدولية طريقها إلى الشقوق. ومن هنا تبدأ استعادة السودان لعافيته باستعادة الدولة نفسها؛ بسيادتها، ومؤسساتها، وجيشها الوطني الواحد، وقرارها المستقل، وقدرتها على جعل الوطن أوسع من القبيلة والحزب والجهة والمصلحة العابرة.

واستعادة الدولة تتجاوز وحدة السلاح، على مركزية هذا الشرط؛ فالدولة التي يحتاجها السودان بعد الحرب هي دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، القادرة على إدارة تنوعها، وتحقيق العدالة في توزيع مواردها وفرصها، وإعادة بناء الثقة بين المركز والأطراف، ومنح السياسة مجالها الطبيعي بعيداً عن البندقية. فالحرب كشفت هشاشة أعمق من اختلال التوازن العسكري، وأظهرت حاجة السودان إلى عقد وطني يجعل الاحتكام إلى الدولة أقوى من الاحتماء بالقبيلة، والمؤسسة أبقى من الأشخاص، والمصلحة الوطنية أعلى من الحسابات الحزبية والجهوية.

وقد أحسن الدكتور الكواري حين وضع مصر والسعودية وقطر داخل تصور عربي لدعم استقرار السودان. فالسودان، بحكم موقعه وتاريخه وتشابك مصالحه، يحتل موقعاً مركزياً في معادلة الأمن العربي؛ أمنه يمتد عبر النيل إلى مصر، وعبر البحر الأحمر إلى السعودية، وعبر روابط الأخوة والمصالح إلى قطر والخليج والعالم العربي كله. ومن الحكمة أن تتحول هذه الروابط إلى مشروع عربي يساعد السودان على وقف الحرب، وإعادة الإعمار، واستعادة الاقتصاد، وحماية وحدته وسيادته.

شكراً للدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، فقد كتب عن السودان بعين الصديق، وذاكرة الشاهد، ووجدان المثقف. وتلك شهادة تكتسب قيمتها من صاحبها ومن تاريخ العلاقة التي يتحدث عنها، ومن إيمانها بأن وراء دخان الحرب وطناً يستحق أن يُرى كما كان، وكما يستطيع أن يكون.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقابل به سؤاله: «السودان متى يستعيد عافيته؟» أن نقول:

سيستعيدها حين يجمع السودانيون شتات دولتهم كما تجمع الأنهار مياهها في مجرى واحد؛ حين يصبح السلاح للدولة، والولاء للوطن، والثروة للبناء، والتنوع مصدراً للقوة، والجوار مساحة للتعاون، والبحر الأحمر جسراً للمصالح والسلام.

فالسودان الذي أعطى محيطه العربي والأفريقي كثيراً من أبنائه وعلمه وثقافته، قادر أن يعطي نفسه فرصة جديدة للحياة.

وقد يتأخر السودان في استعادة عافيته، لكنه لا يفتقر إلى أسباب النهوض؛ ففي أرضه ثروة، وفي تاريخه عمق، وفي إنسانه صلابة، وفي محيطه أصدقاء يعرفون قدره. وحين يستعيد دولته كاملة السيادة والإرادة، سيكتشف العالم أن ما بدا طويلاً وطناً مثقلاً بالمحن كان يحمل، تحت ركام الحرب، كل أسباب العودة.

وحين يعود السودان، سيجد في قطر وأهلها وجوهاً يعرفها، وقلوباً لم تغادره، وأصدقاء من طينة حمد الكواري، ظل السودان عندهم، مهما تبدلت الأزمنة، حاضراً في الذاكرة، وقريباً من القلب.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026م

مواضيع ذات صلة