13 أغسطس

ياسر محمد محمود ​يكتب: حميدتي… من عز الأمراء إلى ذل العبيد

شاهد عيان أغسطس 13, 2026
شارك الخبر:
ياسر محمد محمود
​حميدتي… من عز الأمراء إلى ذل العبيد
​لم تكن حكاية صعود محمد حمدان دقلو، الشهير بحميدتي، مجرد حادثة عابرة في التاريخ السياسي والعسكري للسودان، بل كانت تجسيداً لخلل بنيوي أتاح لجلابيب البادية أن تطغى على المؤسسات الرسمية. فمن أزقة الصحراء الغربية وأنشطة التجارة غير الرسمية، نفض نظام الإنقاذ الغبار عن شاب لم يطأ بقدميه أرض الكلية الحربية ولو للحظة، ولا عرف الانضباط الأكاديمي، ليصنع منه حارساً شخصياً للنظام على حساب هيبة الدولة ومؤسساتها الوطنية. تلقفته السلطة السابقة وغذّت فيه روح التمرد المنظم، فمنحته الشرعية والمال والسلاح لمواجهة خصومها، محولةً المليشيا المسلحة إلى قوة موازية للجيش النظامي. ومنذ تلك اللحظة، فتحت بوابات الترقي الاستثنائي لرجل يفتقر للحد الأدنى من التعليم الأكاديمي، حتى بات يقود رجالاً يتفوقون عليه علماً وخبرة، وتجاوز بعلاقاته النفعية أطر المؤسسة العسكرية الصارمة التي تبنى ضباطها عبر العقود.
​تدحرجت الرتب العسكرية على كتفي حميدتي دون أن يتلقى علماً في التكتيك أو الاستراتيجية داخل الكلية الحربية، حتى وصل إلى رتبة الفريق أول، وهي الرتبة التي لا ينالها خريجو المؤسسات العسكرية الرسمية إلا بشق الأنفس وبعد عقود من الخدمة والتأهيل العالي. وبعدها أضحى الأكاديمي المتعلم والضابط المتمرس يخضعان لأوامر رجل يعاني من أمية تثقيفية وسياسية واضحة، ولا يستطيع حتى فك الخط بطلاقة، مما شكل سابقة تاريخية جرحت كبرياء المؤسسة العسكرية السودانية. ولم تقف طموحات الرجل عند حدود الثكنات، بل استغل حالة الفراغ السياسي والتحولات العاصفة التي أعقبت سقوط نظام البشير ليقفز إلى سدة الحكم كأحد صناع القرار في المشهد الانتقالي. وبحلوله وقتاً في منصب نائب رئيس المجلس السيادي، انتزع حميدتي لنفسه غطاءً دستورياً وسياسياً أتاح له التعامل المباشر مع القوى الدولية والإقليمية، كاشفاً عن رغبة جارفة في تجاوز دوره الإقليمي المحتوم نحو التمدد المطلق.
​سخر حميدتي ملفات شائكة لإبراز نفسه كشرطي حارس للمصالح الدولية؛ إذ استغل ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية ليفتح خطوط اتصال مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، وتحولت مليشياته على أطراف الصحراء إلى حارس لحدود أوروبا، مما منح شرعية دولية لرجاله ووفر لمليشياته تدفقاً مالياً ولوجستياً تحت مظلة التعاون الإنساني والأمني في مفارقة صارخة لواقع القوة المسلحة غير النظامية. ولم تكن ساحة اليمن بعيدة عن مخططات التمدد والتكسب؛ إذ دفع بقواته تحت مسمى الجنجويد للانخراط في التحالف العربي ضمن عمليات عاصفة الحزم، وأصبحت دماء أبناء الهامش السوداني سلعة تجارية جلب من خلالها حميدتي مئات الملايين من الدولارات، وبنى علاقات مباشرة مع مراكز النفوذ في الخليج، متموضعاً كقوة برية لا غنى عنها في الصراعات الإقليمية ومستقلة كلياً عن قيادة الجيش الرسمية.
​وفي هذه المحطة، التقت طموحات حميدتي بشركائه في الإقليم؛ حيث وجد فيه حلفاؤه أداة طيعة لتحقيق مآربهم والتغيير الديموغرافي والسياسي في المنطقة، ووسوست له القوى الإقليمية بأن كرسيه في نائب الرئاسة ليس سوى محطة مؤقتة، وأن عرش السودان وجائزته الكبرى باتا على بعد خطوة واحدة، شريطة أن يبتلع المؤسسة العسكرية ويتخلص من قياداتها الوطنية. وانطلقت الأوهام على قائد المليشيا الذي صدق أنه قادر على التحول من جندي حراسة إلى حاكم مطلق لرقعة جغرافية بحجم السودان، وبدأ ينسج شبكات نفوذ اقتصادي عابرة للحدود عبر تجارة الذهب والشركات الأهلية، بالتوازي مع عملية تجنيد واسعة النطاق غيرت ديموغرافية مليشياته، ليبدأ في التخطيط والتحضير لليوم الموعود الذي يزيح فيه المؤسسة العسكرية من طريقه نهائياً.
​نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
​تضخمت الذات لدى حميدتي وأصبحت فكرة أن يكون الرجل الأول ورئيس جمهورية السودان هاجساً يوجه كل تحركاته السياسية والعسكرية. رفض كل محاولات الدمج والتفكيك لمليشياته داخل الجيش الوطني، ودعا للتوقيع على الاتفاق الإطاري، وسعى للسيطرة على المرافق الاستراتيجية والمطارات لتكون منصة انطلاق لانقلابه النهائي على الدولة ومؤسساتها، معتقداً أن القوة الغاشمة وحدها كفيلة بحسم المعركة لصالح مشروعه الخاص.
​ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
​وفي 13 من أبريل 2023، أشعل حميدتي فتيل الحرب الشاملة عندما دفع بقواته ومدرعاته في تحرك استباقي لاحتلال مطار مروي الاستراتيجي وقاعدة طيرانه، محاولاً شل حركة سلاح الجو السوداني وتمهيد الطريق للسقوط السريع للعاصمة الخرطوم. كانت تلك الخطوة بداية الكارثة التي عصفت بالسودان أرضاً وشعباً، وأسقطت قناع الرجل الجاهل لتكشف عن مغامرة شخصية دمرت الأخضر واليابس في سبيل أوهام السلطة والعرش.

مواضيع ذات صلة