سيادة القانون في زمن الحرب: العبور من حافة الفوضى إلى معركة بناء الدولة
شيء للوطن | م.صلاح غريبة – مصر
تخوض الدول في لحظات التحول التاريخي العصيبة معارك متوازية؛ معركة ميدانية لحماية الأرض والسيادة، وأخرى لا تقل شراسة لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي ومنع تآكل مؤسسات الدولة من الداخل. فالأزمات الممتدة والنزاعات المسلحة لا تكتفي باستنزاف المقدرات العسكرية، بل تخلق ثغرات أمنية واقتصادية تتسلل عبرها شبكات الجريمة المنظمة، مستغلة حالة السيالة الأمنية لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب القوت اليومي للمواطن وأمن الوطن المستقبلي.
من هذا المنطلق، تعكس القرارات الأخير الصادرة عن أعلى سلطة أمنية وسيادية في البلاد إدراكاً عميقاً بضرورة الحسم على كافة الجبهات، وعدم فصل المواجهة الميدانية عن معركة حماية الجبهة الداخلية من أخطار الجريمة العابرة للحدود والتجاوزات الأمنية.
إن إقرار تشكيل محاكم خاصة لمواجهة جرائم حساسة، مثل تجارة السموم المخدرة، والاتجار بالبشر، وتهريب السلاح والذهب، يمثل خطوة مفصلية لنقل المواجهة مع هذه الشبكات الإجرامية من مجرد التصدّي الأمني التقليدي إلى الملاحقة القضائية الناجزة لحماية المقدرات الاقتصادية، يمثل تهريب الذهب نزيفاً مستمراً لثروات الشعب الوطنية، حيث تحاول عصابات التهريب حرمان الخزينة العامة من الموارد الضرورية لدعم الاقتصاد الأساسي وفاتورة الخدمات والسلع الاستراتيجية، بجانب تجفيف منابع العنف، بحظر وتجريم تهريب الأسلحة يقطع الإمداد الحيوي عن المجموعات الخارجة عن القانون، والتصدى لظاهرة انتشار السلاح السائب التي تعد السبب الرئيسي في تغذية الصراعات، مما يعنى صون الكرامة والأمن المجتمعي، إن مكافحة الاتجار بالبشر ومحاربة جلب وتداول المخدرات يحميان نسيج المجتمع والشباب من الاستغلال والتدمير الممنهج في وقت تحتاجه الأمة في أقصى درجات تماسكها ووعيها.
تنظيم قطاع التعدين وإعادة الانضباط العسكري
تعتبر مناطق الإنتاج والتعدين مناطق ذات طبيعة اقتصادية مدنية وحساسة؛ لذا فإن صدور قرار حاسم ينص على حظر تواجد أفراد القوات النظامية والقوات المساندة في مواقع التعدين، مع مصادرة أي أسلحة أو مركبات عسكرية تخالف هذا التوجيه، يحمل رسائل استراتيجية بالغة الأهمية بفصل السلاح عن النشاط الاقتصادي، ومنع استخدام القوة أو النفوذ العسكري في إدارة الأنشطة الاقتصادية والتجارية، بما يضمن تكافؤ الفرص وحماية صغار المعدنين والمستثمرين من أي ابتزاز أو استغلال، وتعزيز الانضباط العسكري، حصر دور القوات النظامية والمساندة في جبهات القتال، ومواقع حماية الثغور والمؤسسات الحيوية، بدلاً من الانشغال بالأنشطة الجانبية التي قد تؤثر على الانضباط والجاهزية القتالية، مما يستدعي فرض هيمنة القانون المدني، إدارة هذه المناطق عبر الأجهزة الأمنية والتنفيذية المتخصصة يضمن سيادة القانون ويعيد ثقة المواطن في مؤسسات دولته.
إن الحروب والنزاعات تتطلب بالضرورة إرادة حازمة، ولكن الحسم الحقيقي لا يتحقق فقط بالانتصارات القتالية والتكتيكية في الميدان، بل يكتمل بقدرة الدولة على فرض النظام العام، وبسط سلطة القانون، وحماية الضعفاء من استغلال العصابات وجماعات المصالح.
إن الدولة التي تفرط في تطبيق القانون بحجة الظروف الاستثنائية تخاطر بالوقوع في الفوضى الشاملة، بينما الدولة التي تتمسك بمؤسسيتها وسيادة قانونها هي التي تضع اللبنات الأولى للاستقرار والتعافي المستدام.
إن تعزيز أمن المواطن وسلامته، وفك أسر المعتقلين والأسرى، وتكريم تضحيات الشهداء والجرحى، لا يتأتى إلا عبر بناء دولة جادة تنبذ الجريمة بكل أشكالها، وتضرب بيد من حديد على كل من يحاول استغلال انشغال البلاد بمعركتها المصيرية لنهب ثرواتها أو تهديد أمنها الاجتماعي.
تؤكد هذه الحزمة من القرارات والإجراءات الأمنية والقضائية أن معركة البناء والحفاظ على الدولة هي عملية متكاملة لا تجزئة فيها. إن الالتزام الصارم بتطبيق هذه القرارات على أرض الواقع دون استثناء هو المحك الحقيقي لتثبيت دعائم الاستقرار، وحماية مقدرات الأجيال القادمة، والانتقال بالبلاد من مرحلة الاضطراب إلى آفاق الأمن والسلام القائم على العدالة وسيادة القانون.
